قناة التليفزيون العربي - تصاعد غير مسبوق في الشكوك الأميركية تجاه أنشطة التجسس الإسرائيلية ورفع القلق من عدوانية هذه التحركات قناة التليفزيون العربي - عشية اليوم 100 للحرب على إيران.. وزير داخلية باكستان يحمل رسالة خاصة إلى المرشد الإيراني قناة التليفزيون العربي - رقعة المواجهة تتسع بين موسكو وكييف.. وروسيا تعلن سيطرتها على بلدة شيفتشينكو الأوكرانية Mamdouh NasrAllah - مصر تخسر امام البرازيل ٢-١ كان نفسي اقول برافو ل أي حد غير مصطفى شوبير زيكو يرتدي حذاء جدو 🫡🫡 وكالة شينخوا الصينية - تعليق ((شينخوا)): دفع الصداقة العريقة بين الصين وكوريا الديمقراطية قدما التلفزيون العربي - عقيدة "جزّ العشب".. إسرائيل وسياسة القتل أولًا ثم البحث عن التبرير العربي الجديد - البرازيل حرمت من ركلة جزاء ليلة انتصارها على مصر وكالة شينخوا الصينية - نائب الرئيس الصيني يلتقي رئيس الوزراء البيلاروسي العربي الجديد - الجزائر على موعد مع المهرجان الأوروبي للموسيقى سكاي نيوز عربية - ألمانيا أمام اختبار اليمين المتطرف
عامة

الباحث المصري أحمد السعيد في كتاب «الصين من الداخل»: حضارة قديمة تعيش في جسد دولة حديثة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

لا يمكن فهم صعود الصين المعاصر، ولا تفسير ملامح توجهاتها الداخلية والخارجية بدون العودة إلى البنية الفلسفية والثقافية العميقة التي شكلت أساس وعي الصين الجماعي على امتداد قرون، فالهوية الصينية ليست نتا...

لا يمكن فهم صعود الصين المعاصر، ولا تفسير ملامح توجهاتها الداخلية والخارجية بدون العودة إلى البنية الفلسفية والثقافية العميقة التي شكلت أساس وعي الصين الجماعي على امتداد قرون، فالهوية الصينية ليست نتاج لحظة سياسية عابرة أو مسار اقتصادي طارئ، بل هي نتيجة تراكم حضاري طويل شاركت في بنائه تعاليم الفلاسفة وتجارب الأسر الحاكمة وتحولات المجتمع الزراعي وحكمة الحروب والسلم.

هكذا يكتب د.

أحمد السعيد في كتابه «الصين من الداخل: ثقافة العقل السياسي الصيني من كونفوشيوس حتى شي جين بينغ»، ويذكر فيه أن الصين التي نراها في نشرات الأخبار أو تقارير السياسة الدولية ليست هي الصين كما يعرفها، مشيراً إلى أن ما يصل إلى المتلقي العربي عنها غالباً ما يكون مشوشاً أو مبتوراً أو محصوراً في أرقام التجارة وقصص الهيمنة، لا في العقل الذي يفكر بها ولا في الثقافة التي تُوجه مسارها.

وهو يعتقد أنه خلال ربع قرن من التفاعل مع الثقافة الصينية ترجمة ونشراً وتواصلاً إنسانيّاً تشكلت لديه قناعة عميقة مفادها أن من يريد فهم السياسة الخارجية الصينية، أو حتى موقف الصين من نفسها أولاً، فعليه أن ينصت إلى ما يقوله الصينيون عن أنفسهم لا أن يكتفي بما يُقال عنهم.

وعلى العرب تحديداً أن يخرجوا من منفى الصور النمطية، وأن يقتربوا من الصين من الداخل لا من النوافذ الخارجية التي تخفي أكثر مما تكشف، أو من الوسيط الغربي الذي يكتب سرديته الخاصة عن كل العالم بكل ما فيه.

هذا الكتاب يصفه مؤلفه بأنه مشروع بحثي وفكري استغرق أكثر من ثلاث سنوات من القراءة المتأنية والتأمل والتحليل في محاولة لرسم ملامح العقل الصيني كما تشكل عبر قرون من الفلسفة والسياسة والتحولات الكبرى وصولاً إلى عهد الرئيس شي جين بينغ، حيث تشكلت نسخة معاصرة ومركبة من الثقافة والسياسة معاً.

نعرف أننا بصفتنا عرباً بحاجة إلى أن نفهم الآخر من منطلق ثقافي وليس من منطلق سياسي فقط، وأن نؤسس لعلاقات دولية أكثر إنصافاً واحتراماً تقوم على الإدراك العميق لا الانبهار والقطيعة، وأن الثقافة، شأنها شأن غيرها من المفاهيم الاجتماعية، لا يوجد لها تعريف محدد متفق عليه، وأن هناك مجموعة من القيم الأساسية المكونة لمنظومة الثقافة الصينية، وحتى مع وجود قدر من التباين الحديث بين منظومة الثقافة في كل من منطقتي هونغ كونغ وتايوان من ناحية والصين الأم من ناحية أخرى.

تظل هناك مجموعة من القيم المركزية المشتركة التي تجمع بين الصينيين بصرف النظر عن وجودهم الجغرافي، وقد تشكلت هذه القيم عبر آلاف السنين وأسهمت اللغة الصينية إسهاماً كبيراً في ضمان بقائها وانتقالها من جيل لآخر.

هنا يتوقف السعيد عند الكونفوشيوسية التي تأتي في مقدمة مصادر الثقافة الصينية التقليدية التي لا تزال توفر الأساس لقواعد السلوك الفردي والجماعي في الصين، وتنصرف إلى العقيدة السلوكية والأخلاقية المستندة إلى تعاليم كونفوشيوس في ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية والبنية الاجتماعية والسلوك المثالي وأخلاقيات العمل.

وتتلخص تعاليمها الأساسية في خمس فضائل هي الإنسانية، البر، اللياقة، الحكمة والإخلاص، مؤكداً أن الثقافة الصينية تمثل أحد الأقطاب الكبرى للثقافة العالمية الشرقية، جنباً إلى جنب مع الثقافة الهندية والعربية الإسلامية حيث شكلت جميعها مراكز إشعاع حضاري امتدت لقرون وشملت مناطق شاسعة من شرق آسيا إلى جنوبها، ومن غربها إلى شمال أفريقيا، بل حتى جنوب أوروبا.

هذه الثقافات لم تكن مجرد أدوات للهوية، بل كانت أنظمة معرفية وأخلاقية وسياسية شكلت تصورات شعوبها وأسهمت في بناء أنظمة العلاقات الدولية قبل ظهور النظام الغربي الحديث.

ما يلفت الانتباه إليه الكاتب هنا هو أن هناك علاقة تكاملية بين الثقافة الصينية التقليدية والسياسة الخارجية الصينية، بحيث يمكن القول إن السياسة الصينية تحمل دائماً بصمة حضارية خاصة تجعلها متميزة عن نماذج القوى الأخرى حتى حين تسعى لتحقيق مصالح واقعية.

وهو يحاول إعادة رسم صورة الصين كما تراها هي من الداخل وبالأدوات التي تصنع بها رؤيتها للعالم، ففي الصين الثقافة ثم الثقافة ثم السياسة كما تنبع من تلك الثقافة، مشيراً إلى أن الثقافة الصينية تعد إحدى أقدم الثقافات الحية في العالم، إذ لم تنقطع عبر التاريخ بل استمرت في إنتاج رموزها وتأويل ماضيها وتكييف مقولاتها مع الواقع.

وقد أسهم هذا الاتساق، كما يرى المؤلف، في بناء وعي قومي متماسك يتمحور حول مفاهيم مركزية كالتناغم والفضيلة واحترام التراتب وتقديس الجماعة والولاء للسلطة الأخلاقية، وهي مفاهيم ليست فقط موروثاً فكريّاً بل أدوات حية تُستعمل في صياغة السلوك السياسي وبناء الخطاب الرسمي وتشكيل الإدراك الشعبي.

ما يراه الكاتب أيضاً هو أنه في قلب البنية الفكرية الصينية تبرز الثقافة ليس فقط بوصفها مكوناً من مكونات الهوية بل بوصفها نظاماً تأسيسيّاً يوجه الرؤية إلى الذات والكون والعلاقات والمجتمع، فهي لا تُفهم بوصفها مجموعة من الفنون والعادات ولا مجالاً مستقلاً عن السلطة والاقتصاد بل هي العقل الباطن للجماعة الصينية والمنطق العميق الذي ينظم كل تجليات الحياة العامة والخاصة.

ومع أن كل حضارة تنسب لنفسها تراثاً ثقافيّاً فإن ما يميز الصين هو أن ثقافتها قامت بوظائف الدين والدولة والأخلاق والتربية معاً، وبهذا، يرى السعيد، أن الثقافة الصينية ليست مفهموماً سكونيّاً أو مرآة للوضع القائم، بل هي عملية مستمرة من تحويل الذات من الحالة الخام إلى الحالة الأخلاقية الكاملة.

خاصة وأن الثقافة هي ما تُحدث النقلة من «الإنسان الطبيعي» إلى «الإنسان المتحضر» لا بمعنى السلوك العام فقط بل بالمعنى الداخلي العميق للتهذيب، مشيراً إلى أنه في العديد من الحضارات كان الدين هو المرجعية العليا للسلوك والمصدر الوحيد للشرعية ومؤطر النظام الاجتماعي، بينما في الصين أخذت الثقافة دور الدين بدون أن تعلن نفسها عقيدة.

وإذ لم تُنتج الصين منظومة توحيدية بالمعنى الكلاسيكي، أنتجت ثلاث مدارس فلسفية هي الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية الصينية، قدمت منظومة أخلاقية وروحية قامت مقام اللاهوت في المجتمعات الأخرى.

أحمد السعيد يشير هنا كذلك إلى أن الثقافة الصينية لا تقتصر على التعبير عن هوية قومية، بل ترتبط بتصور شمولي للكون والأخلاق، فهي وسيلة لبلوغ التناغم بين الإنسان والمجتمع والكون، وعبر مفاهيم مثل الطريق والسماء يصبح السلوك البشري انعكاساً لنظام كوني، حيث تُعرّف الثقافة الكبرى بوصفها صيرورة تهذيب كلية تدمج الداخلي والاجتماعي والكوني ما يجعلها أكثر من مجرد هوية ثقافية، بل نظام وجودي.

ومنذ فجر الدولة الصينية كانت الثقافة هي أداة الحوكمة الأولى، والحاكم لا يُفترض به أن يكون قويّاً فقط، بل فاضلاً ومثقفاً، وقد كان الامتحان الإمبراطوري الذي استمر لأكثر من ألف عام نظاماً لاختيار الموظفين بناء على استيعابهم للنصوص الثقافية الكلاسيكية.

وقد أُنتجت نخبة سياسية ذات خلفية ثقافية مشتركة، ما جعل الثقافة أداة لتوحيد النخب وتثبيت النظام وإضفاء شرعية أخلاقية على السلطة، مشيراً إلى أن الثقافة لا تزال حتى الآن تستخدم في الصين الحديثة ليس تعبيراً عن الماضي، بل قوة دافعة للمستقبل، حيث دُمجت المفاهيم التقليدية في منظومات الحوكمة والتعليم والدبلوماسية والنموذج التنموي.

كذلك يذكر الكاتب أن في كل حضارة من حضارات العالم يوجد تقاطع بين النسق الثقافي والنسق السياسي، لكن هذا التقاطع في الحالة الصينية يأخذ طابعاً مركزيّاً يكاد يرقى إلى البنية التأسيسية للدولة ذاتها، مشيراً إلى أن الدولة الصينية لم تُبنَ تاريخيّاً على مجرد الفعل السياسي الصرف، بل كانت دوماً مشروطة بسلطة الثقافة وخاضعة لمعايير أخلاقية وتصورات فلسفية عميقة الجذور.

لذلك، وفق ما يراه السعيد، فإن فهم السياسة الصينية ماضياً وحاضراً لا يمكن أن ينفصل عن فهم مرجعيتها الثقافية التي تشكل مصدر الشرعية من جهة ومن الأخرى أداة التنظيم والضبط والامتثال.

وهو يشير إلى أن الصين منذ أن طرحت نفسها قوة عالمية صاعدة، تعاظم الاهتمام بتحليل الأسس الثقافية والفلسفية التي توجه رؤيتها في الحكم والعلاقات الدولية وطموحاتها الحضارية، نافياً المبالغة حين يقول إن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لم تكن مجرد استيراد عقائدي من الغرب، بل هي مشروع أيديولوجي وفلسفي صُبغ بروح الثقافة الصينية العريقة وتقاليدها المتجذرة.

ومع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، يقول السعيد، لم تعد الصين مجرد دولة تبحث عن موضع قدم في النظام الدولي، بل أصبحت كياناً حضاريّاً يعيد تشكيل أدوات حضوره ويختبر سبل التعبير عن هويته في سياقات خارجية معقدة.

وفي هذا الإطار لم تكن الثقافة مجرد عنصر رمزي أو مرجعية صامتة، بل تحولت إلى جزء أساسي من تصورات الصين للعالم ومن تصورها هي لذاتها، ذاكراً، في سياق تتبعه لفترة حكم شي جين بينغ للصين، أن فكره هو لحظة تتويج لقرون من التفاعل الجدلي بين الثقافة والسياسة في الصين.

هي لحظة تعيد فيها الدولة إنتاج نفسها بصفتها حاملة لرسالة أخلاقية وتستعيد فيها الحضارة الصينية قدرتها على التوجيه والإلهام، وهو بذلك يمثل نموذجاً فريداً في العالم المعاصر يخرج عن أنماط الحداثة الغربية المتمركزة حول الفرد إلى نمط حضاري يرى في الجماعة والتناغم والتقاليد أفقاً للتقدم لا عائقاً أمامه، وبهذه الرؤية تدخل الصين العصر الجديد لا بوصفها قوة تنافس، بل حضارة تُقنع وتبني وتستعيد المعنى في زمن فقد كثيراً من معانيه.

أحمد السعيد الذي اختار عنوان كتابه هذا «الصين من الداخل» لأنه رأى أن أغلب ما يُكتب عن الصين يصدر عن الخارج، يرى أن العالم في شكله الحالي يعاني من أزمة قراءة متبادلة، حيث تُفهم الدولة من خلال صور مسبقة لا من خلال ما تقوله عن نفسها.

والصين تحديداً من أكثر الدول التي يُساء فهمها إما بسبب نمطيتها في الإعلام الغربي وإما بسبب ابتعادها المقصود عن النماذج المألوفة في تقديم الذات، لذلك لم يسأل هنا «ماذا تفعل الصين؟ » بل «لماذا تفعل ما تفعله؟ » وكيف تفكر فيه؟ ومن أي منابع تستمد منطقها؟ وهو يؤكد أن الصين ليست كتاباً مغلقاً لكنها كذلك ليست كتيباً دعائيّاً، إنها حضارة قديمة تعيش في جسد دولة حديثة محاولة أن تبني سرديتها في عالم لم يتعود أن يسمع من الشرق بل أن يُحدّثه دائماً، معلناً أن هدفه من كتابه ليس أن يقول «الصين على حق» بل الصين ترى نفسها بهذه الطريقة وهذه رؤيتها للعدالة والعالم والإنسان، وإن كان العالم يريد التفاعل مع الصين أو حتى مواجهتها فليكن هذا التفاعل على أساس الفهم لا على أساس التوجس أو التبسيط أو الإسقاطات الأيديولوجية.

لقد آن الآوان، يقول السعيد، أن نمنح الآخر الحق في أن يُعرّف نفسه لا أن نفرض عليه تعريفنا له، معتقداً أن فهم الصين من الداخل هو دعوة لفهم جديد للعالم بأسره.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك