تونس ـ «القدس العربي»: في أعالي الهضاب التونسية، وبين ربوع الشمال الغربي التي تكتسي خضرة في الربيع ووقارا متوشحا ببياض الثلوج في الشتاء، تنتصب مدينة مكثر، أو مكتاريس حسب التسمية التاريخية القديمة، شامخة كأنها حارس أمين لذاكرة تمتد لآلاف السنين.
إن مكثر ليست مجرد مدينة في قائمة تتضمن عدة مدن منتشرة في ربوع الخضراء، بل هي كتاب مفتوح على التاريخ تتضمن صفحاته، إطلالات على حضارات مختلفة عبرت هذه الأرض وتركت بصماتها الخالدة عليها.
عندما يطأ الزائر أرض مكثر لأول مرة، يشعر وكأنه ينتقل عبر الزمن إلى عصور غابرة.
فهنا تتجاور الآثار القرطاجية ـ النوميدية والرومانية والبيزنطية والإسلامية في مشهد نادر يختزل تاريخ تونس بأكمله تقريبا.
وتتحول الحجارة الصامتة إلى شاهد حي يروي قصة الإنسان الذي استوطن هذه الربوع، وكافح وبنى وأبدع وأسهم في صناعة واحدة من أعرق الحضارات المتوسطية.
تقع مكثر في ولاية سليانة على ارتفاع يناهز الألف متر فوق سطح البحر، وهو ما يمنحها موقعا استراتيجيا هاما ومناخا مميزا.
فمنذ العصور القديمة أدرك الإنسان أهمية هذا الموقع الذي يجمع بين وفرة المياه بسبب كثرة التساقطات من الأمطار والثلوج، وخصوبة الأراضي وسهولة الاتصال بالمناطق الداخلية والساحلية.
قبل أن يعرف العالم روما وإمبراطوريتها التي امتدت وتوسعت بعد سقوط غريمتها قرطاج، كانت مكثر واحدة من المدن المزدهرة في المجال النوميدي القرطاجي.
وتشير المكتشفات الأثرية إلى أن المنطقة كانت آهلة بالسكان منذ قرون طويلة قبل الميلاد.
في تلك المرحلة كانت الممالك المحلية تبني أسس دول قوية ومنظمة، وقد برزت المملكة النوميدية كإحدى أهم القوى السياسية في شمال أفريقيا.
وخلال عهد الملك ماسينيسا المولود بمدينة دقة التونسية، والذي يعد أحد أبرز الشخصيات في تاريخ المنطقة، شهدت المدن النوميدية التونسية ازدهارا ملحوظا شمل الزراعة والتجارة والتنظيم الإداري.
وتكشف الأضرحة والمقابر النوميدية وغيرها من الأبنية الموجودة في مكثر عن مستوى متقدم من العمران والتنظيم الاجتماعي.
فهذه المعالم لا تعبر فقط عن براعة هندسية، بل تؤكد وجود مجتمع مستقر يمتلك رؤية واضحة للحياة وللمكانة الاجتماعية وللعلاقة بين الأحياء والأموات.
ولعل أهم ما يميز هذه المرحلة هو أنها تمثل الجذور العميقة للهوية المحلية التي ستستوعب لاحقا التأثيرات الخارجية من دون أن تفقد خصوصيتها.
إن الحديث عن مملكة نوميديا لا يمكن فصله عن تاريخ تونس القديمة ولا عن الدور المركزي الذي لعبته قرطاج في تشكيل المجال السياسي والحضاري لشمال أفريقيا قبل الميلاد.
فكثيرا ما تُقدم نوميديا باعتبارها كيانا مستقلا نشأ بمعزل عن محيطه، في حين أن الوقائع التاريخية تشير إلى أن الممالك والقبائل النوميدية تطورت لقرون طويلة داخل الفضاء القرطاجي وتفاعلت معه سياسيا واقتصادياً وثقافيا.
وكانت الأراضي التونسية الحالية، وخاصة مدن الداخل والتي من بينها مكثر، من أهم مراكز هذا التفاعل الحضاري الذي أفضى لاحقا إلى ظهور الدولة النوميدية الموحدة.
وتعد مدينة دقة التونسية القريبة من قرطاج، والمعروفة في المصادر القديمة باسم توغا، إحدى أبرز المدن التي تعكس هذا التداخل بين العنصر النوميدي والحضارة القرطاجية.
فقد كانت المدينة تقع في قلب المجال الذي امتد فيه النفوذ القرطاجي لقرون طويلة، وكانت مثالا على التعايش والتفاعل بين سكان مدن الداخل التونسي والنخب القرطاجية التي أدارت شؤون المنطقة.
وتشير النقوش والآثار التي عثر عليها في دقة مهد نشأة نوميديا وعاصمتها الأولى إلى وجود مؤسسات سياسية وإدارية نوميدية داخل فضاء ظل مرتبطا اقتصاديا وسياسيا بقرطاج.
ولذلك فإن دقة القريبة من مكثر أو مكتاريس لا تمثل فقط مدينة نوميدية أو قرطاجية، بل تمثل نموذجا لحضارة مشتركة تشكلت من امتزاج المكونات المحلية الساحلية التي تمثلها قرطاج، والمكونات المحلية الداخلية التي تمثلها نوميديا وذلك على الأرض التونسية الحالية.
كانت قرطاج منذ تأسيسها في القرن التاسع قبل الميلاد، وربما قبل ذلك بكثير بحسب مؤرخين، القوة المهيمنة في غرب البحر الأبيض المتوسط، واستطاعت أن تبسط نفوذها على الساحل الشمال أفريقي من خليج سرت في ليبيا إلى طنجة في أقاصي المنطقة المغاربية، وعلى أجزاء كبيرة من الداخل الشمال أفريقي وعلى سواحل جنوب إيطاليا وشبه الجزيرة الإيبيرية.
ولم يكن هذا النفوذ قائماً دائماً على الاحتلال المباشر، بل اعتمد في كثير من الأحيان على التحالفات والعلاقات السياسية مع القبائل والممالك المحلية.
ومن بين أهم هذه المجموعات القبائل النوميدية التي كانت تنتشر في مناطق واسعة من تونس الحالية بما في ذلك مدينة مكثر.
وقد وفرت هذه القبائل لقرطاج موردا بشريا وعسكريا مهما، خاصة في مجال سلاح الفرسان الذي اشتهر النوميديون بإتقانه إلى درجة جعلت فرسانهم من أفضل الوحدات العسكرية في الجيش القرطاجي.
وفي هذا السياق التاريخي برزت أسرة ماسينيسا المنتمية إلى مدينة دقة التونسية التي تقع في منطقة وسطى بين مدينتي قرطاج ومكثر، والتي ارتبطت منذ البداية بعلاقات وثيقة مع قرطاج.
فوالد ماسينيسا الملك غايا كان حاكما على مملكة الماسيل، إحدى الممالك النوميدية الشرقية، وكان حليفا تقليديا للدولة القرطاجية منصهرا فيها ويتحرك ضمنها.
وقد استفادت هذه الأسرة من موقعها الجغرافي في المجال القرطاجي ومن العلاقات السياسية والعسكرية التي ربطتها بالنخب الحاكمة في قرطاج.
أما ماسينيسا نفسه فقد نشأ في بيئة قرطاجية وتعرف منذ شبابه على أساليب الحكم والإدارة والحرب التي كانت سائدة في قرطاج.
وعندما اندلعت الحرب البونية الثانية بين قرطاج وروما سنة 218 قبل الميلاد، وجد ماسينيسا نفسه منخرطا مع القبائل النوميدية، التي استوطنت فئة منها مدينة مكثر، في الصراع إلى جانب قرطاج.
وقد برز خلال هذه الحرب قائدا عسكريا موهوبا، وقاد وحدات الفرسان النوميديين التي قاتلت تحت راية قرطاج في عدة جبهات.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنه شارك في المعارك التي دارت في إسبانيا، حيث أظهر مهارات قتالية كبيرة جعلت اسمه يبرز بين القادة العسكريين القرطاجيين في ذلك العصر.
وكان الفرسان النوميديون يمثلون أحد أهم عناصر القوة في الجيش القرطاجي، وقد لعبوا دورا بارزا في الانتصارات التي حققها القائد القرطاجي الشهير حنبعل في بداية الحرب.
غير أن موازين القوى بدأت تتغير تدريجيا مع تقدم الحرب، حيث تعرضت قرطاج لسلسلة من الانتكاسات العسكرية والسياسية، وبدأ نفوذها يتراجع أمام الصعود المتزايد للقوة الرومانية.
وفي خضم هذه التحولات أدرك القائد القرطاجي النوميدي ماسينيسا أن مستقبل المنطقة يتجه نحو هيمنة روما، فاختار تغيير تحالفاته والانضمام إلى الجانب الروماني.
وكان هذا القرار نقطة تحول حاسمة ليس فقط في مسيرته الشخصية، بل في تاريخ شمال أفريقيا بأكمله.
وبفضل الدعم الروماني تمكن ماسينيسا من توحيد القبائل والممالك النوميدية المتفرقة ومنها أهالي مدينة مكثر التونسية تحت سلطته، واستحوذ على جزء هام من أراضي قرطاج التي بدأت تقترب من النهاية بعد قرابة الألف عام من الهيمنة، مؤسسا بذلك أول دولة نوميدية موحدة في التاريخ تحت النفوذ الروماني وبدعم الرومان وذلك في المدن الداخلية التونسية.
وقد مثل هذا الإنجاز تحولا جذريا في المشهد السياسي للمنطقة، إذ انتقلت القبائل النوميدية من حالة الانقسام والتنافس إلى إطار دولة مركزية تحت النفوذ الروماني تمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية أكثر تنظيما.
ومع نهاية الحرب البونية الثالثة بين قرطاج وروما وسقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد، دخلت المنطقة مرحلة جديدة.
فقد دمرت روما المدينة التي كانت لعقود طويلة القوة العظمى في غرب المتوسط، وانتهى بذلك الكيان السياسي القرطاجي الذي هيمن على المنطقة لقرون.
وفي أعقاب هذا السقوط توسعت المملكة النوميدية الحديثة بشكل كبير على حساب ما تبقى من أراضي قرطاج كما استحوذت على أراضي جديدة باتجاه الغرب وذلك تحت راية الرومان وفي إطار الولاء لهم وتنفيذ مشروعهم.
وهكذا أصبحت الدولة النوميدية الوريث الإقليمي المباشر للمجال القرطاجي السابق بغطاء روماني وبمباركة من روما التي نصبت النوميديين وكلاء مؤقتين لها في المنطقة.
غير أن هذا التوسع لا يعني أن نوميديا كانت نقيضا لقرطاج أو في قطيعة حضارية معها.
فالحقيقة التاريخية تشير إلى أن الدولة النوميدية، والتي أصبحت مكثر أو مكتاريس ضمن مجالها، ورثت كثيرا من عناصر الحضارة القرطاجية واستفادت من خبراتها الإدارية والاقتصادية والعمرانية والعسكرية.
كما أن العديد من المدن التي ازدهرت في العهد النوميدي كانت قد تطورت أصلا داخل الفضاء القرطاجي أو تحت تأثيره ومن ذلك مدينة مكثر.
ولذلك يرى عدد من المؤرخين أن نوميديا ولدت من رحم حضارة قرطاج ومثلت في جانب من جوانبها استمرارا للتحولات التي عرفتها المنطقة بعد تراجع القوة القرطاجية، أكثر من كونها مشروعا منفصلا عنها بالكامل.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن مدينة دقة التونسية عاصمة نوميديا الأولى ومختلف مدن الداخل التونسي على غرار الكاف سيرتا، عاصمة نوميديا الموحدة، ومكثر وبيلاريجيا وزاما وتالة وغيرها من المدن التونسية النوميدية، تقدم شاهدا حيا على هذا التداخل التاريخي بين الحضارتين النوميدية والقرطاجية.
فهي مدن نشأت وتطورت داخل فضاء سياسي وثقافي واحد، وأسهمت في صناعة تاريخ شكل إحدى أهم صفحات الحضارة القديمة في تونس وشمال أفريقيا.
وقد كان ماسينيسا، الذي بدأ حياته قائدا في الجيش القرطاجي قبل أن يصبح مؤسس المملكة النوميدية الموحدة، التجسيد الأوضح لهذا الانتقال التاريخي من مرحلة الهيمنة القرطاجية إلى مرحلة الدولة النوميدية المستقلة التي ورثت جانبا مهما من إرث قرطاج ومجالها الجغرافي والحضاري بدعم من الرومان.
مع سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد ودخول شمال أفريقيا تحت النفوذ الروماني غير المباشر من خلال الوكلاء النوميديين، ثم من خلال النفوذ المباشر بعد قرار الرومان بإدارة المنطقة بأنفسهم والاستغناء عن النوميديين، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مكثر.
غير أن المدينة لم تفقد أهميتها، بل ازدادت ازدهارا وتحولت إلى إحدى أبرز الحواضر الرومانية في أفريقية.
لقد استثمر الرومان في المدينة بشكل كبير، فشيدوا المعابد والمنتديات والحمامات والأسواق، وربطوها بشبكة الطرق الإمبراطورية التي كانت تربط مختلف أنحاء المقاطعة الأفريقية التي كانت عاصمتها مجددا مدينة قرطاج التي أعاد الرومان إحياءها بعد تدميرها.
وخلال القرنين الثاني والثالث للميلاد بلغت مكثر أوج مجدها.
فقد أصبحت مركزا اقتصاديا وثقافيا مؤثرا، وازداد عدد سكانها واتسعت أحياؤها العمرانية، حتى تحولت إلى واحدة من أهم المدن الداخلية في أفريقيا الرومانية.
وتدل الآثار الباقية إلى اليوم على حجم الازدهار الذي عرفته المدينة.
فكل حجر فيها يكشف جانبا من عبقرية التخطيط الروماني المقتبس من فن العمارة القرطاجي والذي كان يجمع بين الجمال والوظيفة.
كان المنتدى أو الفوروم يمثل مركز الحياة العامة في مكثر، ففيه كانت تعقد الاجتماعات الرسمية، وتناقش القضايا السياسية، وتبرم الصفقات التجارية، وتقام الاحتفالات الكبرى.
وقد حرص المهندسون الرومان المتأثرون بالعمارة القرطاجية على تصميمه بطريقة تجعله مركزا للحياة اليومية ومعبرا عن هيبة السلطة في الوقت نفسه.
ومن بين جميع معالم مكثر الأثرية، مدرسة الشبان باعتبار أن هذا المبنى لا يمثل مجرد منشأة تعليمية أو اجتماعية، بل يعد وثيقة تاريخية استثنائية تسلط الضوء على الحياة اليومية للمجتمع المحلي التونسي في ذلك العهد.
وتحمل نقوشه قصة مجموعة من الفلاحين استطاعوا بفضل العمل والاجتهاد تحسين أوضاعهم الاجتماعية والارتقاء إلى طبقة الأعيان.
إنها قصة نجاح كتبت على الحجر منذ ما يقرب من ألفي عام، لتؤكد أن العمل والطموح كانا دائما من أهم عوامل التقدم الاجتماعي.
المرحلة البيزنطية والفتح الإسلاميمع انتشار المسيحية في شمال أفريقيا ابتداء من القرن الثالث الميلادي، شهدت مكثر تحولات دينية وثقافية مهمة.
وأصبحت المدينة مركزا دينيا احتضن عددا من الكنائس والبازيليكات.
وقد تركت هذه المرحلة آثارا معمارية ما تزال قائمة إلى اليوم، شاهدة على الدور الذي لعبته المدينة في الحياة الدينية للمنطقة.
وخلال العهد البيزنطي ازدادت أهمية مكثر الاستراتيجية، خاصة مع تصاعد التهديدات العسكرية.
لذلك تم تعزيز تحصيناتها وبناء منشآت دفاعية جديدة لحماية السكان والمصالح الإمبراطورية.
وتعكس هذه المنشآت طبيعة المرحلة المضطربة التي سبقت الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا.
ومع وصول الإسلام إلى تونس خلال القرن السابع الميلادي دخلت مكثر عصرا جديدا، حيث اندمجت تدريجيا في الفضاء الحضاري الإسلامي وأسهمت في الحركة الاقتصادية والعمرانية التي عرفتها البلاد.
ورغم انتقال مراكز الثقل السياسي إلى مدن أخرى على غرار مدينتي القيروان وتونس، فإن مكثر حافظت على دورها المحلي باعتبارها مركزا فلاحيا وتجاريا مهما وهي القريبة من القيروان حاضرة الإسلام الأولى في تونس وشمال أفريقيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك