في لحظة تبدو فيها المدن كسجلات مشروخة، تتراكم الذاكرة فوق الواجهات وتنكسر الأسئلة تحت وطأة الصمت، يتحول الخزف عند ماهر السامرائي إلى هيئة مقاومة للحذف.
لا أبدأ هنا بمديحٍ، بل بمحاولة تتسم بصرامة أخلاقية وفلسفية: كيف يواجه العمل الفني مسؤولية التذكر؟ وكيف يتحول إلى حاملة لضمير تاريخي لا يقبل أن يُستبدل بالجمال السطحي؟ السامرائي لا يشتغل بالطين كخدمة للزينة فحسب، بل كخطاب يثّبت توقّعات المكان ويعيد صياغة جراحه.
الطين لديه ذاكرة مشروطة بالمدينة: سامراء ليست مجرد مَوضع جغرافي بل هي طيف بصري يتخلل الأسطح، يتسلل إلى الألوان، ويُنطق الحروف المنقوشة بصمة تبدو أقدم من الزمن نفسه.
في ورشته حيث رائحة الحريق والتزجيج لا تفارق الهواجس، يتحول الطين إلى نصٍ يُعاد تشكيله، وحيث تصبح اليد فناً ذا وعي تاريخي.
هنا يلتقي التقليد بالمعرفة، لكن، الأصل لا يعفي عن النقد.
المسألة ليست امتلاك المرجع، بل حول قدرة الفن على إعادة قراءته في زمننا.
التقنية عند السامرائي ليست مجرد مهارة مهنية؛ إنها أداة فلسفية تكشف عن علاقة الفنان بالمادة والزمن.
في أسطحه، تندمج المينا والزيت والرماد في صمتٍ يعلن الاستمرارية، وفي أحيان أخرى يتحول التزجيج إلى مفصل يتوهج بسؤال الحداثة: هل ما نراه تجديد أم مجرد تكرار؟التجريد الذي يمارسه السامرائي يميل إلى الاختزال الشعري للرموز، لكنه لا يفقد دلالتها التاريخية بالكامل؛ بل يحوّلها إلى إشارات تُعيد فتح قنوات الحضور.
ومع ذلك، لابد من الحذر إزاء البراعةٍ السطحية التي تحجب العمق، فاللمعان لا يعوّض عن غياب الأسئلة.
ما يميّز تجربته موضوعياً هو التزامها بالذاكرة والخراب معاً.
أعماله تبدو كشهاداتٍ صامتة على عنف الاختفاء: اختفاء بيوتٍ، أسماء، اختفاء طقوس.
الخزف هنا يتخذ مهمة التوثيق البصري، لكنه لا يكتفي بالتسجيل، بل يُعيد طرح الأسئلة حول الاستمرارية والهوية.
ومن هذا المنطلق يتحول عنف التاريخ إلى موضوع جمالي وأخلاقي يفرض على المتلقي أن يقرأ أكثر من شكلٍ مريح؛ يطالب بأن يُفكك الذاكرة ويُعاد تركيبها بحس نقدي.
يبقى السؤال الجوهري الذي يتعلق بموقع الخزف داخل المشهد الثقافي: هل سيُعامل كحرفة أم كخطاب تشكيلٍ يشارك الرسم والنحت في بناء المعنى؟ المؤسسات المحلية كثيراً ما تختزل الخزف إلى منتج استخدامي أو زخرفي، فتغفل عن طاقته التعبيرية.
على الفنان أن يضغط على هذه البنى ليحوّل اعترافها به من مجرد تصنيف وظيفي إلى اعتراف بوجود خطاب فني قادر على تغيير مناهج التلقي.
في ضوء ذلك، تبدو تجربة السامرائي بمثابة دعوة: ليست دعوة للاحتفاء الآني، بل لفتح حوار مستمر بين المادة والتاريخ والنقد.
الفن الجاد، هو الذي يزرع أسئلة لا تهدأ في النفوس؛ والسامرائي شرع في زرع بذور هذا السؤال.
تبقى مهمة النقاد والمؤسسات أن يوفّروا له أرضية تحول هذه البذور إلى لغة نقدية ومؤسساتية تمنح التجربة امتدادها وتمنعها من أن تبقى محض جمالٍ عابر.
إن الحديث عن المرجع في تجربة ماهر السامرائي لا يمكن أن يُختزل في الجانب التاريخي أو التزييني للتراث؛ فالمسألة تتجاوز مجرد استدعاء الشكل أو التكرار الجمالي للرموز الإسلامية والعراقية القديمة.
إننا أمام فنان يستعيد التراث لا بوصفه ماضياً ساكناً، بل بوصفه طاقة رمزية حيّة تتحرك داخل بنية العمل الفني لتعيد التفكير في علاقتنا بالذاكرة والهوية والمكان.
فالسامرائي، في جوهر تجربته، لا يُعيد إنتاج الموروث كما هو، بل يضعه في مواجهة ذاته، كمن يعيد فتح النص الأول ليكتشف فيه ما لم يُقرأ من قبل.
والتراث البصري الإسلامي، بما يتضمنه من حروف ونقوش وزخارف وهندسة معمارية، ليس عند السامرائي زخرفاً ولا إحالة عاطفية، بل منظومة فكرية وبصرية متكاملة.
هو يتعامل مع الحرف العربي مثلاً بوصفه كائناً بصرياً له كتلة ونَفَس وروح، لا بوصفه وسيلة للكتابة فحسب.
الحرف في أعماله يتجاوز دوره الوظيفي إلى أن يصبح مادة تشكيلية قائمة بذاتها، تتحاور مع الضوء والطين واللون.
إنّ الحرف هنا ليس كلمة تُقرأ، بل أثر يُرى، وهو بهذا المعنى يقترب من كونه ذاكرة لغوية متجسّدة، لا يمكنها أن تنفصل عن جذورها الروحية، لكنها أيضاً لا ترفض التحول إلى مادة حديثة.
السامرائي يستدعي القباب، والمآذن، والنقوش الجصّية التي تميّز مدينته سامراء، ولكن ليس بروح المقلّد الذي يكرّر ما حفظته الذاكرة الجمعية، بل بروح الباحث الذي يفتّش في الحجارة عن النبض الذي خلّفه الأجداد.
كل قطعة خزفية في تجربته هي وثيقة سردية صغيرة، تُعيد بناء صلة الإنسان بمكانه الأول.
فالمكان لديه ليس هندسةً أو مساحةً فيزيائية، بل كيان روحي يتكوّن من الذاكرة الجمعية، من الحكايات، من بقايا الأصوات التي ما زالت تهمس في طين النهر ورمل الفرات.
هذا الانتماء الكثيف إلى التراث لا ينطلق من الحنين، بل من الوعي بأن الذاكرة لا تُورث كما هي، بل تُصاغ باستمرار.
فالفنان لا يتعامل مع الماضي كشيء مكتمل ونهائي، بل ككائن ينمو معه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك