قناة التليفزيون العربي - تصاعد غير مسبوق في الشكوك الأميركية تجاه أنشطة التجسس الإسرائيلية ورفع القلق من عدوانية هذه التحركات قناة التليفزيون العربي - عشية اليوم 100 للحرب على إيران.. وزير داخلية باكستان يحمل رسالة خاصة إلى المرشد الإيراني قناة التليفزيون العربي - رقعة المواجهة تتسع بين موسكو وكييف.. وروسيا تعلن سيطرتها على بلدة شيفتشينكو الأوكرانية Mamdouh NasrAllah - مصر تخسر امام البرازيل ٢-١ كان نفسي اقول برافو ل أي حد غير مصطفى شوبير زيكو يرتدي حذاء جدو 🫡🫡 وكالة شينخوا الصينية - تعليق ((شينخوا)): دفع الصداقة العريقة بين الصين وكوريا الديمقراطية قدما التلفزيون العربي - عقيدة "جزّ العشب".. إسرائيل وسياسة القتل أولًا ثم البحث عن التبرير العربي الجديد - البرازيل حرمت من ركلة جزاء ليلة انتصارها على مصر وكالة شينخوا الصينية - نائب الرئيس الصيني يلتقي رئيس الوزراء البيلاروسي العربي الجديد - الجزائر على موعد مع المهرجان الأوروبي للموسيقى سكاي نيوز عربية - ألمانيا أمام اختبار اليمين المتطرف
عامة

المتن المتحول: كيليطو وإعادة اختراع الأدب

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

منذ البداية، لا يتقدّم عبد الفتاح كيليطو بوصفه قارئاً للشعر بقدر ما يظهر كمن يصغي إليه من تخومٍ أخرى؛ تخوم السرد، والحكاية، وألعاب التأويل. فالشعر، في أفقه، لا يشكّل موضوعاً معزولاً، بل يتسرّب داخل نس...

منذ البداية، لا يتقدّم عبد الفتاح كيليطو بوصفه قارئاً للشعر بقدر ما يظهر كمن يصغي إليه من تخومٍ أخرى؛ تخوم السرد، والحكاية، وألعاب التأويل.

فالشعر، في أفقه، لا يشكّل موضوعاً معزولاً، بل يتسرّب داخل نسيج القراءة بوصفه طاقة كامنة في اللغة ذاتها، تُضيء المتن السردي وتُربك حدوده.

إن كيليطو يقترب مما لمّح إليه رولان بارت حين جعل الأدب فضاءً لتعدّد الأصوات لا لمركزية النوع، حيث لا تُقرأ النصوص وفق انتمائها الأجناسي، بل وفق قدرتها على إنتاج المعنى في تداخله وتحوّله.

في هذا السياق، لا تبدو كتب مثل «الأدب والغربة» أو «الحكاية والتأويل» أو «أبو العلاء المعري أو متاهات القول» مجرد دراسات في التراث، بل مختبرات قرائية تُعاد فيها مساءلة العلاقة بين القول الشعري وبنيات السرد، حيث يستعيد كيليطو تقاليد كبرى في البلاغة العربية، من عبد القاهر الجرجاني إلى ابن المعتز وأبو تمام وأبو العلاء المعري، لا بوصفهم حراساً لماضٍ مكتمل، بل بوصفهم شركاء في حوار متجدد حول اللغة ومعناها.

وهو ما يذكّر بأفق هانس روبرت ياوس في جعل القراءة حدثاً تاريخياً متحوّلاً، حيث لا يعود النص ثابتاً، بل يتغيّر بتغيّر أفق التلقي.

من هذا المنظور، يطرح سؤال «تسلّل الشعر» إلى أعمال كيليطو نفسه بوصفه سؤالاً مضلّلاً جزئياً؛ لأن الأمر لا يتعلق بتسلّل عرضي، بل بتواطؤ بنيوي بين السرد والشعر داخل التراث العربي، حيث تتقاطع المقامة مع القصيدة، والحكاية مع البلاغة، في نسيج واحد.

وهو ما يتيح فهم المقامات، عند بديع الزمان الهمذاني والحريري، كفضاء هجين تتجاور فيه الصناعة البلاغية مع المتعة السردية، وتُختبر فيه اللغة في حدودها القصوى.

أعتقد أن كيليطو لا يكتب عن التراث بقدر ما يكتب معه؛ ينصت إلى لغته، يلاحق انزياحاتها، ويعيد إدخالها في زمن القراءة المعاصرة.

إن مشروعه لا يسعى إلى استعادة الماضي، بل إلى خلخلته، لا إلى تثبيته، بل إلى جعله قابلاً للقراءة من جديد.

وهنا تكمن قوته: في قدرته على تحويل التراث من موضوع للمعرفة إلى تجربة للقراءة، ومن أثر ساكن إلى سؤال مفتوح لا ينفد.

كتابة العبور بين السردي والشعريلا تكاد أوراق الكتاب الجماعي «كيليطو والشعر» تستقر داخل حدود الأدب والنقد بالمعنى المدرسي، إذ تنزاح نحو تخوم أكثر اتساعاً، حيث يغدو الشعر وسيطاً لتفكيرٍ يتجاوز نوعه، ويُعاد عبره تأويل علاقة عبد الفتاح كيليطو بما يسكن التراث العربي من غرائبي وفانتاستيكي.

فالمسألة هنا ليست مجرّد اقتراب من الشعر، بل إعادة تشكيل لمسالكه داخل خطابٍ نقدي يستثمر السرد بوصفه فضاءً لعبور الشعري، لا لاحتوائه.

وفي هذا المنحى، يبرز نص عبد السلام بنعبد العالي كمدخل فلسفي كثيف، يلتقط ما يمكن تسميته بـ«استيهامات» كيليطو الأدبية، حيث تتقاطع اللغة مع رغبتها في الانفلات من حدودها المألوفة.

بنعبد العالي لا يتعامل مع الشعر كجنس أدبي قائم بذاته، بل كقوة تعبيرية تتطلب تحريراً جذرياً من الأطر التي كبّلته، سواء في تاريخ الأدب أو في أنساق النقد.

إن دعوته إلى «تحرير الشعر من الأدب» لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الأدب، بل كتحريرٍ من ثقل التصنيفات التي حوّلت الشعر إلى وظيفة ضمن نظام، بدل أن يظل حدثاً لغوياً يخلخل هذا النظام.

ويبدو أن تتبّع المسار الفكري لعبد الفتاح كيليطو يقتضي الانتباه إلى تلك الدينامية الدقيقة التي تُحرّك انتقاله بين مجالات القول، حيث يتجاور الشعري مع السردي ضمن أفق تأويلي واحد.

فالأمر، كما يلمح الناقد حسن بحراوي، لا يرتبط باختيارات عرضية أو تفضيلات ذوقية عابرة، بل يتصل ببنية عميقة تحكم اشتغال كيليطو، قوامها وعي نقدي يشتغل على إعادة ترتيب خريطة الأدب العربي، عبر مساءلة مسلّماته وإعادة توزيع مراكزه.

غير أن الانتصار للسرد لا يعني غياب الشعر، بل حضوره في صيغة أخرى، أقرب إلى ما يسميه رولان بارت «أثر الكتابة»، حيث يتسلل الشعري إلى النثر بوصفه توتراً لغوياً وإيقاعياً، لا بوصفه نوعاً قائماً بذاته.

ولذلك، فإن ما يبدو خفوتاً في اهتمام كيليطو بالشعر الكلاسيكي يخفي، في العمق، إعادة توزيع لوظائفه داخل النص، بحيث يتحول الشعر إلى طاقة كامنة داخل السرد، تُغذّي لغته وتمنحه كثافته الرمزية.

المعري كاقتصاد رمزي للهبةتتضافر أوراق الكتاب الجماعي على إبراز ذلك الانجذاب العميق الذي يشدّ كتابة كيليطو إلى الشعر، لا بوصفه موضوعاً للدراسة، بل باعتباره بُعداً مكوِّناً لوعيه النقدي، حيث تتداخل الحيوات النصية مع التجربة القرائية في نسيج واحد.

فالنصوص الشعرية التي يستدعيها لا تحضر كأمثلة أو شواهد، وإنما كأمكنة للعيش والتفكير، بما يجعل القراءة ذاتها امتداداً للوجود داخل اللغة، على نحو يذكّر بما صاغه مارتن هايدغر حين اعتبر أن اللغة ليست أداة، بل أفق إقامة الكينونة.

غير أن ما يلفت في قراءة كيليطو، كما يشير الباحث محمد آيت لعميم، هو هذا التوسّع في المتون، حيث تتجاور نصوص أبو تمام وعبد القاهر الجرجاني وامرؤ القيس داخل فضاء تأويلي واحد، يشتغل على استخراج المعنى من مناطق ظُنّ أنها استُهلكت دلالياً.

هنا يتجسد ما يسميه رولان بارت «لذة النص»، حيث لا يُستعاد المعنى بوصفه يقيناً، بل يُعاد إنتاجه بوصفه أثراً متجدّداً، يقاوم الاكتمال.

وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم «المتاهة» دلالته المركزية، كما يلتقطه نبيل منصر، إذ لا تبدو كتابة كيليطو مساراً نحو الخروج، بل إقامة داخل هذا الالتباس المنتج.

فالنص لا يُغلق، بل يظل مفتوحاً على منافذ متعددة، في انسجام مع ما يقترحه جاك دريدا حول «الاختلاف»، حيث يتأجل المعنى باستمرار ولا يستقر في نقطة نهائية.

ومن زاوية أخرى، يضيء إسماعيل أزيات هذا الاشتغال بتحويل المعري إلى «شخصية حكائية»، حيث يغدو الشعر متاهةً مشحونة بالسر، لا تُفصح عن نفسها إلا جزئياً.

هنا يستعيد النص بعده الغامض، بما يذكّر بتصور غاستونباشلار للخيال بوصفه طاقة إخفاء بقدر ما هو طاقة كشف.

فالمعنى لا يُعطى دفعة واحدة، بل يُحجب ليُستدعى، ويُؤجل ليُعاد اكتشافه.

كما تبدو قراءة كيليطو للمعري نوعاً من السير داخل العتمة المضيئة للنص، حيث يتحرك القارئ كما لو كان «أعمى» بالمعنى الإيجابي الذي يمنحه الإصغاء أولوية على الرؤية.

إنها قراءة تنصت بدل أن تفرض، وتقبل ما يهبه النص دون استعجال امتلاكه، في انسجام مع روح تأويلية ترى في الأدب فضاءً لاحتمال المعنى، لا مخزناً لحقائقه.

ومن تخوم الصورة المتحركة إلى أفق الكتابة التي تُعيد بناء العالم بالكلمات، يتبدّى فعلُ الكتابة بوصفه انتقالاً من الإدراك البصري إلى التأويل، حيث لا تُنقل الأشياء كما هي، بل تُعاد صياغتها داخل شبكة من العلامات.

في هذا المسار، يشتغل محسن عتيقي على تفكيك عوالم كيليطو، لا باعتبارها نصوصاً جاهزة، بل كطبقات دلالية تتقاطع فيها الذاكرة الأدبية مع الحس النقدي.

إن «الهدية» عند عتيقي لا تظهر كموضوع عرضي، بل كأفق رمزي يتجاوز دلالته المباشرة نحو اقتصاد رمزي معقّد، يذكّر بما بلوره مارسيل موس في تحليله لـ«الهبة» بوصفها فعلاً اجتماعياً مشحوناً بالالتزام والتبادل والسلطة.

فالنص هنا لا يمنح فقط، بل يُلزم، ولا يُهدي إلا ليعيد إنتاج شبكة من العلاقات الثقافية والرمزية.

ومن هذا المنظور، تصبح «الهدية» عند عتيقي نقطة تقاطع بين أنساق متعددة: من شعرية أبو العلاء المعري المتقشفة والمراوغة، إلى مفارقات الجاحظ الساخرة في «البخلاء»، وصولاً إلى طقوس «البوتلاتش» في الثقافات الأمريكية الشمالية، حيث يتحول العطاء إلى استعراض للقوة الرمزية.

تفتح دراسة حسن المودن «القراءة في صمت النسخ: كيف أصبح النساخ شاعراً؟ » أفقاً تأويلياً تتداخل فيه السيرة بالتحليل النفسي، وتتماس فيه الهوية بالكتابة، في مساءلة دقيقة لتحولات الذات القارئة داخل تجربة كيليطو.

وقد اختار المودن رواية «حصان نيتشه» بوصفها مختبراً تخييلياً لسيرة متشظية بين الطفولة والشيخوخة، بين النساخ الذي كانه الكاتب والشاعر الذي صار إليه، بما يجعل من القراءة نفسها مساراً وجودياً لا مجرد نشاط معرفي.

وهو ما يتبدّى في اعتقادي، فيما أشار إليه بول ريكور حين اعتبر أن «الذات لا تُدرك إلا عبر وسائط السرد»، أي أن الهوية ليست معطى ثابتاً بل بناء يتشكل عبر الحكاية.

ويقترح المودن مفهوماً لافتاً يمكن تسميته بـ«أوتوبوغرافية القارئ»، حيث لا يكتب الفرد ذاته بقدر ما يكتب فعل قراءته للعالم، في انتقال من الذات المكتوبة إلى الذات القارئة.

وهو ما يلامس، من زاوية أخرى، ما ذهب إليه رولان بارت حين أعلن «موت المؤلف»، إذ يصبح النص فضاءً لتعدد الذوات لا امتلاكاً لصوت واحد.

غير أن خصوصية كيليطو، كما يبرزها التحليل، تكمن في أن القراءة لا تنفصل عن التجربة النفسية للطفولة، حيث يتحول النسخ إلى فعل مركّب: عقوبة، وتعلّم، ومحاولة امتلاك للعالم عبر إعادة كتابته.

أما التحول من النساخ إلى الشاعر، فيُفهم بوصفه قطيعة سيكولوجية مع نظام التكرار، حيث تنفلت الذات من سلطة النسخ إلى فضاء التخيل، من الامتثال إلى التخييل، ومن التكرار إلى الاختلاف.

وهو ما يجعل من الشعر، في النهاية، ليس فقط إنتاجاً لغوياً، بل لحظة تحرر نفسي من البنى الأولى التي شكّلت الذات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك