العودة للداخل الأردني تحولت إلى عنوان عريض في نقاشات الصالونات، والحكومة بعد عامها الأول ونصف الثاني تجد نفسها عالقة في منطقة تقييم الأداء وتقرير الأولويات والخشية من سيناريو الرحيل.
عمان ـ «القدس العربي»: أي تأخير غامض وصبور في استحقاق التعديل الوزاري على الحكومة الأردنية الحالية يدفع المراقبين والخبراء حكما لطرح سؤال: بعد الرسائل العميقة في الاحتفال الأخير لعيد الاستقلال، ما الذي يجري خلف الكواليس والستائر؟لا يبدو السؤال متعجلا هنا.
وفكرته أن تفويت محطة التعديل الوزاري مرتين على الأقل مؤخرا وفي ضوء ارتفاع حالة تقييم الأداء الوزاري قد ينطوي على مؤشر يوحي ضمنا بأن عدم صدور ضوء أخضر يشرعن التعديل إجرائيا يمكن أن يقفز مجددا لسيناريو أبعد وأشمل عشية الدورة العادية المقبلة للبرلمان في شهر تشرين الثاني/نوفمبر بعنوان «فرضية التغيير الوزاري» هنا.
المعنى سياسيا أن النخب تبدو حائرة في فهم وهضم الأسباب التي تدفع رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان لإظهار حماس أقل لمسار التعديل الوزاري ما يسمح بولادة الفرضية السياسية التي تتحدث عن ما هو أوسع وأعمق من مجرد تعديل وزاري في مواجهة ضجيج التشريعات.
المقصود تغييرات أكثر شمولية عنوانها إذا ما بنيت استنتاجات لها علاقة برسائل احتفال عيد الاستقلال بتغييرات بنيوية في الأداء والبرمجة.
ليس سرا هنا أن شكليات الاحتفال الرسمي الهادف بعيد الاستقلال أثارت التساؤلات.
وليس سرا أن رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية وخلافا للعادة والمألوف لم يتقدموا بخطابات في حفل عيد الاستقلال الملكي، والخطاب الوحيد بتوقيع الملك عبد الله الثاني شخصيا كان مغرقا في الدلالات المباشرة والحميمية في العلاقة مع الشعب وصفق له الجمهور، فيما فسره سياسيون في الهامش بأنه صنف من التنبيه لما يسمى الآن بالعودة إلى الداخل جراء تحولات لا يمكن إنكارها في المستوى الإقليمي والدولي.
السؤال الذي بات مطروحا هنا: هل يمكن اقتحام متغيرات المرحلة الحالية والوشيكة بنفس التركيبة الوزارية الموجودة؟يشك ساسة كثر بأن ذلك ممكن، فيما اقتصار خلاصة احتفال الاستقلال على رسائل من القصر لشعبه شكل إضافة نوعية في ذهن الجمهور عموما خصوصا بعد الارتياح الشعبي الشديد لفكرة الرسالة الملكية الخاصة التي هنأت كل مواطن أردني يحمل هاتفا خلويا باسم الملك ومباشرة بصيغة فردية صباح عيد الاستقلال.
قد تؤدي تلك الرسائل إلى درب جديد يتجاوز في أهميته الانطباع بوجود وزراء تأزيميين في الحكومة ينبغي خروجهم أو استبدالهم، لكن الأهم تلك الإشارات التي وردت حتى على صعيد حوارات وطنية الطابع أدارتها مؤسسة القصر مع أدوات إعلام وسياسة.
السياق الملكي لا يتفق فيما يبدو مع سيناريوهات الحكومة المطروحة في قانون الإدارة المحلية الجديدة، والعلاقة قد لا تصبح صحية أكثر بين السلطة التنفيذية وبقية السلطات الأساسية والسيادية في الدولة ما دامت نرجسية بعض الوزراء تتصدر المشهد أحيانا، أو تختلق مشكلات لمشاعر الشارع عموما عنوانها الحكومة لا تخاطب احتياجات المواطنين الملحة بكفاءة وخطابها الإعلامي أحيانا يتجنب المهنية كما حصل في منشور شهير وبخ الناس عموما بتوقيع وزارة البيئة وأثار ضجة مؤخرا.
تراكم شعور رئيس الحكومة وبعض أركان وزارته بأن سقف النقد ارتفع قليلا وبأن الغطاء رفع عن الحكومة ولو نسبيا يتوجب تحوله إلى منطقة تدبر وتأمل تقرأ تلك الرسائل بطريقة أعمق فكرتها أن عين الرقابة المرجعية لديها ملاحظات، وبعض المؤسسات السيادية ليست معنية بتغطية أخطاء واجتهادات شخصية لوزراء أظهروا نرجسيتهم لا بل يرفضون الإصغاء للنصائح.
المؤسسات المهمة أقدر على تلمس وجع ونبض الناس خصوصا في الإطار المعيشي الاقتصادي الذي تتجاهله الحكومة بطريقة غير مفهومة، الأمر الذي يجعل غياب سيناريو التعديل الوزاري في لحظات حرجة بحد ذاته أمرا غريبا ويوحي بأن الطاقم الوزاري ليس في موقع القراءة العميقة للأحداث والتحولات.
المجازفات والمغامرات هنا متاحة بكثافة على الطاولة العامة.
لا توجد طبعا لا أدلة ولا قرائن على أن مرحلة استحقاق تغيير التركيبة الوزارية الحالية دخلت إلى المطبخ السياسي.
الحكومة في المقابل عليها تجنب الرهان على البقاء طويلا في ظل سلسلة عثرات تشريعية مع السلطة البرلمانية وفي ظل الاستخفاف الملموس بمشاعر عامة الأردنيين واحتياجاتهم بالتوازي مع ابتكار أساليب غير منتجة باستقطاب النواب وكتلهم.
واجب الحكومة الانتباه أكثر في المرحلة اللاحقة للتفاصيل.
التحديات الإقليمية والإستراتيجية الأبرز عادة تفرض إيقاعاتها وبصماتها على مشهد الأدوات والرموز في الحالة الأردنية بمعنى أن مرحلة التسوية الكبرى لما بعد الحرب على إيران ثم مرحلة التحديات التي لا يستهان بها في ملف الصراع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية محطات عابرة للحكومة بالعادة لكنها تؤثر في التوجه والمسار والتركيبة بشكل لا يمكن الاستمرار في تجاهله.
العودة للداخل الأردني تحولت إلى عنوان عريض في نقاشات الصالونات والحكومة بعد عامها الأول ونصف الثاني تجد نفسها عالقة في منطقة تقييم الأداء وتقرير الأولويات والخشية أن سيناريو «الرحيل» يغذيه التوافق على صعوبة برنامج العودة للداخل في ظل تركيبة الوزارة الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك