لم يعد مضيق باب المندب وخليج عدن مجرد ممرات مائية تتنافس عليها الدول المشاطئة، بل تحول بحكم الأمر الواقع إلى مسرحٍ مفتوح لإعادة صياغة النفوذ الدولي.
صنعاء ـ «القدس العربي»: في وقتٍ يعيش فيه اليمن تحت وطأة تشظي السيادة الداخلية نتيجة حربٍ ممتدة لأكثر من عقد، تُفاجئ الخريطة الجيوسياسية للإقليم اليمنيين بتهديدٍ استراتيجي غير تقليدي قادم من الضفة الأفريقية المقابلة.
لم يعد مضيق باب المندب وخليج عدن مجرد ممرات مائية تتنافس عليها الدول المشاطئة، بل تحول – بحكم الأمر الواقع – إلى مسرحٍ مفتوح لإعادة صياغة النفوذ الدولي؛ وهو ما تجسد بوضوح في «الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال» (صوماليلاند).
هذا التحرك الذي يتجاوز أبعاده الدبلوماسية الظاهرة، يمثل في جوهره ولادة «قوس أمني» وتمركز عملياتي متقدم يقلص المسافة العسكرية بين تل أبيب والعمق اليمنيّ إلى بضع مئات من الكيلومترات فقط عبر ميناء بربرة الاستراتيجي.
وضمن قراءة لخطورة هذا التحول وسياقاته التنافسية، أصدر مركز المخا للدراسات ورقة بحثية تُعيد تفكيك المشهد، وتطرح أسئلة مصيرية حول مآلات الأمن القومي اليمني.
لا تقف الورقة عند توصيف الحدث، بل تغوص في أبعاده الثلاثية: السياسية عبر إذكاء نزعات الانفصال وتجميد الحلول، والأمنية بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مباشر وتخادم استخباراتي مضاد، والاقتصادية بسحب البساط من الموانئ اليمنية الحيوية كعدن.
تبدأ الورقة بتشخيص تفكك البيئة السيادية في باب المندب، مروراً بتحول أدوات النفوذ والتموضع الإقليمي، وصولاً إلى تحليل أنماط الصراع والنماذج المتنافسة في البحر الأحمر، وتداعيات التحول، وانتهاءً باستشراف السيناريوهات المحتملة لتداعيات هذا التحول على الأمن القومي اليمني.
وتوضّح الدراسة، أن مضيق باب المندب تحول من ممر دولي يخضع لتوازنات الدول المشاطئة إلى مسرح صراع مفتوح نتيجة تراجع قدرة مؤسسات الدولة اليمنيّة عن ممارسة وظائفها السيادية خلال الحرب الممتدة منذ 11 سنة، وصولًا إلى تراجع القدرة على ضبط السواحل وحماية المجال البحري.
وقد أدى هذا التآكل السيادي إلى دخول فاعلين دون الدول المطلة عليه عسكروا المجال البحري.
وقالت «انتقل فيه (باب المندب) من ممر بحري تحكمه توازنات الدول المشاطئة والترتيبات الدولية الناظمة للملاحة، إلى ساحة مفتوحة للصراع والتنافس العسكري والأمني، وقد ارتبط هذا التحول بصورة مباشرة بتراجع قدرة الدولة اليمنية على ممارسة وظائفها السيادية».
وأشارت إلى أن أزمة البحر الأحمر 2024 أسهمت في تسريع عسكرة المجال البحري، مع تصاعد الوجود العسكري الدولي والإقليمي، وأدى ذلك بشكل تدريجي إلى التعامل مع باب المندب بوصفه مسرح عمليات أكثر منه مجرد ممر تجاري، وإن كان هذا التحول لا يزال غير مكتمل بالكامل.
وتقول: «وفي موازاة ذلك، صعدت قوى إقليمية جديدة داخل معادلة البحر الأحمر، وفي مقدمتها الإمارات وإسرائيل، عبر توسيع الحضور في الموانئ والبنية الساحلية والمجالات المرتبطة بالأمن البحري».
تعتبر الدراسة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في كانون الأول/ديسمبر 2025 تحولاً يتجاوز الأبعاد الدبلوماسية، إذ يمثل استراتيجية جديدة للتمركز في الممرات الحيوية عبر بناء شراكات محلية مع كيانات انفصالية لتقليل كلفة السيطرة العسكرية المباشرة.
ويتلاقى هذا الاعتراف مع رغبة إثيوبيا في تأمين منفذ بحري، ما كشف عن تقاطع مصالح بين أطراف تسعى لإعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي.
فإثيوبيا تبحث عن منفذ بحري دائم يخفف من عزلتها الجغرافية، بينما تسعى أرض الصومال إلى توظيف الانفتاح الخارجي لكسر عزلتها السياسية، في حين ترى إسرائيل في هذه التحولات فرصة لتوسيع حضورها قرب باب المندب دون الانخراط في ترتيبات عسكرية واسعة النطاق.
وتقول: «لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد اعتراف بكيان انفصالي، بل بوصفها جزءاً من مقاربة جديدة لإعادة التموضع داخل الممرات البحرية الحيوية عبر أدوات أكثر مرونة وأقل كلفة من أنماط السيطرة المباشرة».
واعتبرت رفض اليمن للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يرتبط بموقف أوسع يقوم على دعم وحدة الصومال ورفض شرعنة الكيانات الانفصالية خارج إطار الدولة الوطنية.
وتبرز مدينة وميناء بربرة في الضفة الأفريقية كعقدة استراتيجية تجمع بين الوظائف البحرية، الجوية، واللوجستية.
وقربها الجغرافي الكبير من السواحل اليمنيّة يمنح القوى المتمركزة فيها تفوقاً هائلاً في مراقبة الملاحة وخفض المسافات العملياتية لضرب الأهداف.
وتقول الدراسة «وقد منح ذلك المدينة قيمة إضافية بوصفها نقطة ارتكاز قريبة من خطوط الملاحة الدولية، بما يتيح تقليص زمن الوصول إلى مسرح العمليات في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، ويعزز القدرة على دعم التحركات السريعة في نطاق جغرافي حساس.
هذا التكامل بين البعدين البحري والجوي يجعل من بربرة موقعاً وظيفياً قادراً على خدمة مهام متعددة ذات طابع أمني ولوجستي».
وتُشير إلى أن موقع بربرة يكتسب أهمية إضافية بسبب قربه من الساحل اليمني، ما يجعلـه نقطة متقدمة نسبيًا مقارنة ببقية الموانئ في القرن الأفريقي، من حيث القدرة على مراقبة حركة الملاحة في خليج عدن.
كما يتيح هذا القرب الجغرافي هامشا عملياتيا أكبر فيما يتعلق بالاستطلاع البحري، ودعم عمليات الرصد، وتسهيل الحركة اللوجستية المرتبطة بالمجال البحري المحيط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك