علّق وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، على سؤال من أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي عن تقارير إعلامية عن خطط أميركية- إسرائيلية لإضعاف الوصاية الهاشمية (الأردنية) على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وصولاً إلى إلغائها، بالقول إنّه لا يعلم عن هذه الخطط شيئاً، وفوجئ بالسؤال، مؤكّداً أن العلاقة مع الأردن ممتازة.
وبغضّ النظر عمّا إذا كان جواب ماركو روبيو صحيحاً، بمعنى أنّه لا يعلم عن تلك الخطط التي ربما تُعدّ في دوائر سياسية أخرى، أو أنّه حاول التحايل والالتفاف على السؤال، فإنّ التقارير التي سرّبتها مصادر عن خطط إسرائيلية- أميركية لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وإضعاف الوصاية الهاشمية تتسق كثيراً مع الوقائع الحقيقية على الأرض والسياسات الإسرائيلية، وتعزّز هذه التقارير القناعة بوجود ضوء أخضر أميركي لإسرائيل للمضي بهذا المخطّط إلى الأمام.
مخطئٌ من يظن أنّ هنالك" فيتو" أميركياً حقيقياً على الإجراءات الإسرائيلية، ومن ثم من الضروري ألّا نحتفل بتصريحات روبيو أو نعظّمها بوصفها ردعاً لسياسات نتنياهو وحكومته أو تكذيباً لتلك التقارير، بل هي إمعان في إخفاء الحقيقة وتجاهل الواقع الصريح للسياسات الإسرائيلية التي تقوم، بلا أدنى شك، على تهويد القدس وتغيير الواقع الراهن هناك.
وهي سياسات معلنة، وترتبط بموازنات مالية تم إقرارها من الكنيست لشراء الأراضي وبناء المشروعات، ومن ضمنها المشروع المعروف بمشروع E1 الذي يقسم الضفة الغربية إلى قسمين رئيسين.
بالعودة إلى التقارير الإعلامية، خطورتها اليوم أنّها تتحدث بصورة واضحة عن الوصاية الهاشمية للمقدّسات.
لكن ما قيمة هذه الوصاية؟ وهل تتجاوز الجوانب الخدماتية اليومية في المسجد الأقصى؟ هذا سؤال مهم؛ لأنّ كثيرين لا يعرفون الخلفية التاريخية والسياسية والاستراتيجية للوصاية، التي ترتبط بمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، ومن ثم باتفاق أردني-فلسطيني لتأكيد الدور الهاشمي في المقدّسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وذلك كله يتجاوز البعد الخدماتي المهم، بطبيعة الحال، إلى حماية المقدسات نفسها، بوصف الأردن دولة لها دور تاريخي معترف به إسرائيلياً في القدس، وقد قامت الأردن على الدوام خلال العقود الماضية، خاصة بعد توقيع المعاهدة، بدور المراقب والمفاوض مع الإسرائيليين لعدم تغيير الوضع القائم هناك، وهنالك تقارير يومية تصدر عن وزارة الخارجية وتطلع عليها الدوائر الدبلوماسية توثق الانتهاكات الإسرائيلية والتغييرات التي تتم على أرض الواقع، وهنالك اعتراضات ومواجهات سياسية ودبلوماسية وقنوات معلنة وخلفية لمتابعة شؤون المقدسات في القدس.
وبالرغم من إصرار الإسرائيليين، في أوقاتٍ كثيرة، على تنفيذ مخطّطاتهم، كانت الدبلوماسية الأردنية تأخذ موضوع القدس على محمل الأولويات الوطنية.
لذلك التخلص من الوصاية الهاشمية يعني، بالنسبة لإسرائيل، حرّية التحرك والفعل في المسجد الأقصى وتغيير الواقع الحالي، كما حدث وما يزال في الحرم الإبراهيمي في الخليل، كما تفيد التقارير الإعلامية عن الوثيقة الأميركية- الإسرائيلية المسرّبة.
يتناول جزء من هذه المخططات مسألة انتزاع أوقاف القدس من الأردن والسيطرة عليها وعلى الإدارة فيها، ما يعني أن لا حسيب ولا رقيب عليها.
وعن إدارة ترامب من المهم أن ندرك أنّها تكذب في هذا الموضوع، وخلافها مع إسرائيل ليس على الضم ولا على السيطرة على القدس؛ فقد سبق أن نقلت السفارة الأميركية إلى القدس في ولاية ترامب الأولى، وإنما على العمل بهدوء وذكاء ومن دون إثارة جلبة، حتى لا تصطدم بالحكومات العربية الحليفة والصديقة للولايات المتحدة.
الأخطر من كل ما سبق أنّه، في ضوء مأزق ترامب في إيران، والخلافات التي خرجت إلى العلن بينه وبين بنيامين نتنياهو، وإصرار ترامب على وقف الهجوم الإسرائيلي في لبنان، لم يبقَ أمام ترامب لتعويض صديقه اللدود إلا ملفات الضفة الغربية والقدس وغزّة.
وقد تم بالفعل إطلاق يد إسرائيل في ثلاثتها، وسيحاول نتنياهو إرضاء حلفائه من الصهيونية الدينية عشية انتخابات الكنيست المقبلة عبر مكافأة كبيرة في القدس والضفة الغربية، ما يجعل المعركة الحقيقية في المنطقة، بعد أن تضمن أميركا تحييد إيران ومعسكر الممانعة، هي في القدس والضفة الغربية، وهي عنوان استمرارية التحالف بين ترامب ونتنياهو، وحبل النجاة لنتنياهو ومستقبله السياسي.
لذلك، أيها السادة، لا تكترثوا بتصريحات روبيو؛ فهي ضحك على اللحى وإبر تخدير أخرى، لكن الواقع والمؤشّرات والإشارات كلها واضحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك