أثار تزايد أعداد سفن خفر السواحل الصينية في محيط تايوان خلال الفترة الأخيرة مخاوف في تايبيه من أن الصين تستخدم نهجاً جديداً هو المنطقة الرمادية لاختبار ردات فعل تايوان وتحسين تكتيكاتها.
وقالت إدارة خفر السواحل التايوانية، في بيان نشر على موقعها الإلكتروني الاثنين الماضي، إن سفن خفر السواحل الصينية ظهرت حول الجزيرة 39 مرة منذ فبراير/شباط العام الماضي، مقارنة بعبورها العرضي فقط في السنوات السابقة.
وقال مسؤولون في تايبيه إن بكين، من خلال زيادة أنشطتها في المضيق، تهدف إلى اختبار ردات فعل تايوان، وتوسيع وجودها في المنطقة، والاستعداد لإجراءات مستقبلية محتملة.
في السياق، ذكرت وزارة الدفاع التايوانية أن قواتها ستدعم الدوريات حول جزر دونغشا التي تسيطر عليها تايبيه، بعد تصاعد الأنشطة بالقرب من الجزر المرجانية في بحر الصين الجنوبي.
وقالت إن خفر السواحل في الجزيرة سيظل القوة الرئيسية التي ترد على النشاط الصيني في المنطقة.
وأضافت أن وزارة الدفاع التايوانية وخفر السواحل سيواصلان استخدام القدرات المشتركة للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع لرصد التطورات حول مضيق تايوان والمياه المحيطة به، موضحة أنها لا تستطيع استبعاد احتمال أن تكون بكين تختبر عمليات نشر بحرية خلال التدريبات التي تجريها تايوان.
ورصدت وزارة الدفاع في تايوان 22 طائرة عسكرية و8 سفن حربية وسفينتين رسميتين للصين حول الجزيرة، خلال 24 ساعة.
وأضافت الوزارة، في بيان أمس السبت، أن طائرتين من الطائرات الـ22 التابعة للجيش الصيني، دخلتا منطقة تحديد الدفاع الجوي الوسطى والجنوبية الغربية للبلاد، ورداً على ذلك، نشرت تايوان طائرات وسفناً حربية وأنظمة صاروخية ساحلية لمراقبة نشاط جيش التحرير الشعبي الصيني.
ورصدت وزارة الدفاع في تايوان، منذ بداية الشهر الحالي، طائرات عسكرية صينية 86 مرة وسفناً 68 مرة.
زيادة استخدام تكتيكات المنطقة الرماديةومنذ سبتمبر/ أيلول 2020، زادت الصين استخدامها لتكتيكات المنطقة الرمادية بزيادة عدد الطائرات العسكرية والسفن البحرية العاملة حول تايوان بشكل تدريجي.
ويعرف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تكتيكات المنطقة الرمادية بأنها" جهد أو سلسلة من الجهود تتجاوز الردع الثابت وضمان تحقيق أهداف الأمن لدولة ما من دون اللجوء إلى الاستخدام المباشر والهائل للقوة".
كذلك أعلنت تايوان أن سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني وأخرى للمسح نفذتا أول عملية منسقة بهدف" استفزاز" تايوان في المياه المحيطة بجزر تتمتع بموقع استراتيجي في بحر الصين الجنوبي.
وأصحبت جزر براتاس، التي تسيطر عليها تايوان نقطة ضغط جديدة في العمليات العسكرية وشبه العسكرية التي تكثفها الصين حول تايوان في مسعى لتأكيد مطالب بكين بالسيادة على الجزيرة.
وتحظى جزر براتاس، قرب الطرف الشمالي لبحر الصين الجنوبي، بحماية محدودة من خفر السواحل.
ويرى بعض خبراء الأمن أن هذه الجزر، الواقعة بين جنوب تايوان وهونغ كونغ، عرضة لهجوم الصين نظراً لبعدها أكثر من 400 كيلومتر عن تايوان.
وقال خفر السواحل التايواني في بيان: " هذه هي المرة الأولى التي نرصد فيها تنسيقاً بين خفر السواحل الصيني وسفن المسح الصينية لاستفزاز تايوان".
وتعتبر بكين جزر براتاس، وهي جزر مرجانية غير مأهولة بالسكان، جزءاً من أراضيها.
وترفض تايبيه ما تقوله بكين، وتؤكد أن سكان الجزيرة هم وحدهم من يمكنهم تقرير مستقبلهم.
وذكر خفر السواحل التايواني أن سفينة خفر السواحل الصينية بثت بياناً يقول إنها تقوم بعمليات لإنفاذ القانون وإن" مستقبل تايوان يكمن في إعادة الوحدة الوطنية".
وأرسل خفر السواحل التايواني سفناً رداً على ذلك.
وقال إن الصين تحاول خلق" وهم كاذب" بالسيادة على المنطقة، مضيفاً: " سيادة تايوان البحرية لا تتهاون مع أي استفزاز".
وكتب الأمين العام لمجلس الأمن القومي في تايوان جوزيف وو، على حسابه بمنصة إكس أمس السبت: " هذه الأفعال استفزازية للغاية"، ونشر خريطة تظهر مسار السفينتين.
مواجهة بحرية بين الصين وتايوانوكانت مواجهة وقعت بين الجانبين في 23 مايو/ أيار الماضي، عندما اقتربت سفينة خفر السواحل الصينية" سي سي جي"، التي تزن خمسة آلاف طن، من جزر دونغشا، ودخلت المياه التي تعتبرها تايوان منطقة محظورة.
ورداً على ذلك، أرسل خفر السواحل التايواني السفينة" تايتشونغ"، التي تزن ألف طن، لاعتراض السفينة الصينية بعد تقييم احتمالية دخولها المنطقة.
تلت ذلك مواجهة استمرت 34 ساعة، حيث قامت السفينتان بمراقبة بعضهما البعض عن قرب أثناء تبادلهما الادعاءات بشأن الجزيرة المرجانية.
وقد كانت هذه المواجهة واحدة من عدة حوادث كبيرة أبلغ عنها خفر السواحل التايواني، وبدأت منذ العام الماضي.
وأعرب مراقبون عن اعتقادهم أنه من خلال نشر سفن خفر السواحل بدلاً من السفن البحرية، يمكن لبكين أن تصور أنشطتها على أنها إجراءات لإنفاذ القانون المحلي مع تعزيز روايتها السيادية في مضيق تايوان.
وبموجب هذه الاستراتيجية يتولى خفر السواحل الصيني إنفاذ القانون الداخلي، بينما تتصدى البحرية للتهديدات الخارجية.
ولا تؤثر الأنشطة على تايوان فحسب، بل على بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي أيضاً.
تشون داي: الصين استخدمت سفناً غير حربية لرفع مستوى الضغوط على تايوانفي قراءته للاستراتيجية الصينية، قال الخبير في الشؤون الآسيوية تشون داي، المقيم في تايوان، لـ" العربي الجديد"، إنه خلال السنوات الأخيرة رفعت بكين من مستوى الضغوط على تايبيه، حيث استخدمت سفناً غير حربية، وذلك في إطار ما يعرف بتكتيكات المنطقة الرمادية.
ولفت تشون داي إلى أن هذه السفن تشمل مركبات مدنية شبه عسكرية وقوارب صيد تديرها مليشيات منظّمة، بالإضافة إلى جرافات بحرية وناقلات حاويات تجارية ومعدات لوجستية، وتعمل جميعها بصورة متزامنة ضمن خطط مبهمة، لكنها في الواقع تهدف إلى تعزيز سيطرة الجيش الصيني على هذه المناطق دون وجود عسكري ملحوظ قد يتسبب في إدانة دولية لبكين.
وأوضح أن تمركز القطع الحربية البحرية الصينية يشير بوضوح إلى تصعيد عسكري قد يستدعي استنفاراً دولياً، ومواجهة مع القوات الأميركية المتمركزة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، غير أن التحركات المدنية تخلق حالة من عدم اليقين بالنسبة إلى تايوان وحلفائها في المنطقة، وتمكّن الصين من الادعاء بأن أي تصادم بين قواتها وخفر السواحل التايواني، مجرد حادث عرضي، لا يمثل إكراهاً أو فرضاً لواقع جديد.
توجه استراتيجي بعيد المدىمن جهته، رأى ليو مينغ، أستاذ العلاقات الدولية في معهد وان تشاي للأبحاث والدراسات في هونغ كونغ، في حديث مع" العربي الجديد"، أن ازدياد الأنشطة العسكرية الصينية ذات الطابع المدني حول مضيق تايوان يشير إلى توجه استراتيجي بعيد المدى، وأن المنطقة الرمادية باتت تشكل اختباراً بالنسبة لبكين لممارسة المزيد من الضغط، في إطار رصد ردات الفعل من تايوان وحلفائها إزاء تصاعد التهديدات الصينية المكثفة والتي باتت تأخذ طابعاً روتينياً.
ليو مينغ: استمرار الصين بهذا النهج قد ينذر بصدام غير محسوبوأضاف أن خطورة هذه الاستراتيجية تكمن في اعتياد الطرف الآخر على هذه الممارسات اليومية أو الأسبوعية، وذلك من خلال الإيحاء بأن أي نشاط عسكري قد يكون ضمن تدريبات اعتيادية، وهو ما قد يجعل الظروف مؤاتية لعملية أوسع نطاقاً لضم الجزيرة التي تطالب بالاستقلال، بالقوة العسكرية.
وأشار إلى أن استمرار هذا النهج قد ينذر أيضاً بصدام غير محسوب، قد يخرج عن نطاق السيطرة ويشعل حرباً مفتوحة في المنطقة، معتبراً أن الأسوأ من هذا كله هو امتداد شرارة الحرب إلى دول الجوار ودخول قوى دولية على خط المواجهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك