شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين يومي الأربعاء والجمعة الماضيين اجتماعات تشاورية بين قوى سودانية بدعوة ورعاية من" الآلية الخماسية" الدولية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية) وجامعة الدول العربية، لكن الخلافات التي رافقت الاجتماعات أظهرت كيف أن الطريق إلى الحوار السوداني مليء بالعقبات.
وهدفت الاجتماعات إلى التأسيس لإطلاق عملية سياسية شاملة، ومسار سلام لإنهاء الحرب المشتعلة في السودان بين الجيش ومليشيا قوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومعالجة جذور الأزمة للحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
وشهدت كواليس الاجتماعات انقساماً حاداً بين المشاركين، أفشل الاتفاق على موقف موحد بسبب التباينات حول العديد من المواضيع، أبرزها استبعاد حزب نظام الرئيس المخلوع عمر البشير (حزب المؤتمر الوطني وواجهاته الإسلامية)، إلى جانب رفض قوى مشاركة في الاجتماعات وجود قوى أخرى جاءت تلبية للدعوة.
السعي إلى الحوار السوداني الشاملوذكرت الآلية الخماسية المنظمة للاجتماعات في بيان، مساء الجمعة، أنها أجرت مشاورات مع طيف واسع من الأطراف السياسية والمدنية السودانية في أديس أبابا، استكمالاً للمؤتمر الذي عُقد في برلين في إبريل/نيسان الماضي.
وأضافت أن المشاورات تناولت السبل الممكنة نحو إنشاء اللجنة التحضيرية المقترحة لإجراء الحوار السوداني الشامل، معتبرة أن المشاورات تمثل فرصة مهمة لتشجيع الحوار السوداني بين القوى المدنية والفاعلين السياسيين، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، ودعم الجهود الرامية إلى تأسيس عملية سياسية ذات مصداقية وشاملة، قادرة على معالجة الأسباب الجذرية للنزاع ووضع أسس سلام عادل ومستدام.
وأقرّت الآلية أن المشاورات في أديس أبابا كانت صعبة لكنها رغم ذلك" كانت مثمرة".
وتابعت: " شهدنا بعض الأطراف السودانية، من مختلف التوجهات، تعمل معاً بصورة فعّالة لإعداد مسودات نصوص.
وقد سلّم السودانيون مذكرات مكتوبة إلى الآلية الخماسية، كما ستُقدَّم مذكرات إضافية لاحقاً".
ولفتت الآلية إلى أنها تثق في أن الأساس اللازم لإجراء مناقشات جوهرية مع مجموعة أوسع من الأطراف المعنية، تمثل نطاقاً أوسع من الأصوات السودانية، آخذ في التشكل.
وشدّدت على التزامها بمواكبة الأطراف السودانية في جهودها الرامية إلى الدفع بعملية سياسية سلمية وشاملة، ضمن إطار متسق ومنسق يحظى بدعم الشركاء الإقليميين والدوليين.
محمد محمود: الخلافات التي ظهرت خلال الاجتماعات تشير إلى الحاجة لمزيد من المشاوراتوأكدت الآلية احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه" كما ترفض أي محاولة لتقويض هذه المبادئ، بما في ذلك من خلال فرض هياكل حكم موازية من شأنها أن تزيد من تفتيت الدولة السودانية"، داعية جميع الأطراف ذات التأثير إلى دعم جهود خفض التصعيد هذه والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لتحقيق سلام تفاوضي ودائم.
وقد تمثلت الصعوبات التي واجهتها هذه المشاورات في نوع القوى السياسية المشاركة، والتي كان كل طرف منها يكنّ عداءً واضحاً للآخر، أو يختلف معه في كيفية إدارة وتنظيم العملية السياسية والمشاركين فيها، إلى جانب خلافات داخلية في التحالفات المشاركة نفسها.
ووزّع القائمون على الاجتماعات (الخماسية) الدعوة مطلع يونيو/حزيران الحالي لتحالفات سياسية ذات توجهات مختلفة، تضم قوى إعلان المبادئ السوداني التي ترفع شعار الحياد، وهي تكتل سياسي مدني تشكّل في مايو/أيار الماضي عقب اجتماعات في العاصمة الكينية نيروبي، ويضم تحالف" صمود" برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، وحزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، ومجموعة من الأجسام والكيانات الشبابية والنسائية.
مع العلم أنه عقد اجتماعات تحضيرية منذ ديسمبر/كانون الأول 2025.
كما وجهت الدعوات إلى قوى سياسية من الخرطوم داعمة للجيش السوداني، وقوى تحالف" تأسيس" الموالية لقوات الدعم السريع.
وتسبب الخلافات بين المشاركين في عدم عقد جلسات تجمعهم جميعاً، واضطرت الآلية الخماسية لتنظيم لقاءات منفصلة، وقد حال ذلك دون الخروج بموقف واحد لجميع المشاركين، بينما أصدرت مجموعة من القوى السياسية المشاركة بياناً، أول من أمس الجمعة، أعلنت فيه توافقها على رؤية مشتركة، أبرز بنودها تدشين مسار سلام سوداني، وإطلاق عملية سياسية عبر لجنة تحضيرية، ووضع أسس حل سلمي مستدام ينهي الحرب ويحقق العدالة الشاملة والعادلة، ويحافظ على وحدة السودان وسيادته، ويعالج جذور الأزمة.
وقد وقع على البيان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" صمود"، الكتلة الديمقراطية، حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل، حزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، ومجموعة من الشخصيات والمنظمات المدنية والنسوية والشبابية المشاركة في الاجتماع.
وجرى الاتفاق بين هذه المجموعة على رؤية تنص على هيكلة عملية السلام عبر ثلاثة مسارات متكاملة ومتزامنة؛ وهي المسار الإنساني، والمسار الأمني، والمسار السياسي، وذلك إلى جانب تشكيل لجنة تحضيرية مشتركة لا تتجاوز 40 ممثلاً تتولى مهام، تشمل الاتفاق على أطراف وقضايا الحوار السوداني وتحديد زمان ومكان ومنهجية انعقاده، ومتابعة إجراءات تهيئة المناخ، وتنسيق العلاقة مع الوساطة والضامنين الدوليين والإقليميين.
وقد رفضت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، والحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي بزعامة ياسر عرمان، المنضوية ضمن" قوى إعلان المبادئ السوداني" التوقيع على الرؤية المشتركة في أديس أبابا إلى جانب الكتلة الديمقراطية، بسبب خلافات تتعلق بتضمين نص صريح يستبعد الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني (نظام الرئيس المخلوع عمر البشير) بجانب الكيانات المحسوبة عليهما من العملية السياسية.
وذكر المتحدث باسم حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد، محمد عبد الرحمن الناير، في بيان الخميس الماضي، أن الحركة رفضت التوقيع مع الكتلة الديمقراطية نسبة لرفضهم تضمين نص بإبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما في ورقة العملية السياسية.
وأضاف أن الحركة لبت الدعوة المقدمة من الآلية الخماسية للاجتماع، واتفقت مع القوى المناهضة للحرب بإبعاد الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، مؤكداً تمسكهم بالحلول الشاملة التي تقود لإيقاف وإنهاء الحرب بالسودان ومخاطبة الجذور التأريخية للأزمة، وعدم مكافأة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما على الحرب التي أشعلوها.
من جهتها، أعلنت الحركة الشعبية التيار الثوري الديمقراطي بزعامة ياسر عرمان، عدم موافقتها على وثيقة اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الصادر عن اجتماعات اللجنة الخماسية في أديس ابابا.
واعتبرت أن العملية السياسية التي عُقدت شابها قصور كبير ولم تلتزم بما تم الاتفاق عليه من قبل تحالف" صمود" وإعلان المبادئ السوداني.
واعتبرت نائبة رئيس الحركة، بثينة دينار، في بيان أول من أمس الجمعة، أنه على الرغم من مشاركة الحركة في الاجتماع، لكنها طالبت بالالتزام بتصميم العملية السياسية بالاتفاق مع الخماسية أولاً قبل الشروع في التنفيذ، مبينة أن الدخول في العملية السياسية الحالية غير مرتبط عضوياً بمخاطبة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين.
وأشارت إلى أن في ذلك نقاشاً سياسياً معزولاً عن واقع المواطنين على الأرض ولا يحقق الهدنة الإنسانية، لافتة إلى أن الدخول في عملية سياسية، من دون التزام طرفي الحرب بنتائجها، رفاهية نظرية لا تحقق تغييراً ملموساً في واقع الناس، واعتبرت أن رفض إدخال عبارة (عدم مشاركة حزب المؤتمر الوطني وواجهاته) يلقي بظلال من الشك حول الهدف النهائي من العملية ومكافئتها لمن أشعلوا الحرب.
من جانبها، شهدت الكتلة الديمقراطية الموالية للجيش وقوع خلافات داخل صفوفها بسبب المشاركة في الاجتماعات منذ البداية، وقد شاركت بعض مكوناتها في الاجتماعات ورفضت أخرى.
كما طالبت الكتلة بإبعاد تحالف" تأسيس" من الاجتماعات بدعوى موالاته للدعم السريع.
وقال عضو الكتلة، مبارك أردول، في تصريح على صفحته بمنصة فيسبوك، أول من أمس الجمعة، إن المشاورات التي أجروها بين القوى السياسية والمدنية كانت مثمرة وبناءة وخطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، ويجب أن يُبنى عليها.
وأضاف أنهم خرجوا بموقف مشترك تضمن في ورقة اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، لافتاً إلى أن الكتلة الديمقراطية أبانت موقفها المعلن والمسبق بخصوص تحالف" تأسيس"، باعتباره الغطاء الرسمي لمليشيا الدعم السريع وتمسكت به، وأنه ليس جزءاً من العملية السياسية بسبب" قيادتها غير المدنية وتهديدها وحدة البلاد والانتهاكات التي ارتكبها".
وأشار الى أنهم اتفقوا أيضاً على إبعاد المؤتمر الوطني من الحوار السوداني والعملية السياسية.
صلاح مصطفى: لا ينبغي أن يكون لطرف مشارك حق تحديد مشاركة طرف آخر من عدمهصعوبة التوفيق بين القوى المدنيةفي هذا الصدد، رأى المحلل السياسي صلاح مصطفى، أن ما حدث في أديس أبابا شهد الكثير من" الهرجلة" (الفوضى) السياسية، وكشف مدى صعوبة جمع القوى المدنية على رؤية واحدة.
وأضاف في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أنه لا ينبغي أن يكون لطرف مشارك حق تحديد مشاركة طرف آخر من عدمه، لأن الغرض الأساسي في النهاية هو جمع الجميع على طاولة واحدة أو على الأقل على رؤية متفق عليها لعقد عملية سياسية، تغلق باب الصراعات الماثلة حالياً وتضع أساساً مشتركاً للعمل السياسي.
وأشار مصطفى إلى أن اجتماعات أديس أبابا حققت بعض الاختراق، لكنها لم تصل إلى مستوى العمل الجماعي، بسبب تبنّي بعض القوى السياسية المشاركة لتوجهات ذات طابع عسكري، بفعل تأييدها أحد طرفي الحرب، الجيش و" الدعم السريع".
وهو ما يتسبب في تصادمها مع قوى أخرى رافضة لذلك، معتبراً أن جمع طرفي الصراع وإنهاء الحرب بينهما ووقف الكارثة الإنسانية هو الأولوية حالياً، وسيساهم ذلك في خفض التوترات بين القوى السياسية بمختلف توجهاتها واتفاقها على رؤية مشتركة بعيدة عن الاستقطاب العسكري.
في المقابل، اعتبر الصحافي محمد محمود في حديثٍ لـ" العربي الجديد"، أن الخلافات التي ظهرت خلال اجتماعات الحوار السوداني تشير إلى حاجة هذه القوى إلى المزيد من المشاورات والحوار فيما بينها، قبل الدخول في اجتماعات تتطلب الخروج بوثائق نهائية.
وأضاف أن مجموعة واسعة من القوى المشاركة في اجتماعات أديس أبابا تتفق على قضايا كثيرة، بينما نقاط الخلاف محدودة ويمكن تجاوزها بالمزيد من المشاورات والحوارات بدلاً من التعصب لرؤية واحدة.
واعتبر أن الاجتماعات حققت تقدماً رغم ذلك، تحتاج لاستكماله باجتماعات أخرى لبناء الثقة وتسوية نقاط الخلاف.
وشدّد على أن استبعاد حزب الرئيس المخلوع عمر البشير من العملية السياسية يجب أن يُترك للعملية نفسها حين تتم، بدلاً من جعله حجر عثرة أمام تقدم الحوار السوداني بين القوى السياسية المدنية حالياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك