أدّى قرار محكمة الاستئناف في أنقرة، البطلان المطلق لنتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري نهاية العام 2023، وأوصل ما يوصف بتيار التغيير وفريق أكرم إمام أوغلو بقيادة ظاهرية لأوزغور أزوال إلى زعامة الحزب على حساب الرئيس السابق والعائد بقرار المحكمة كمال كلتشدار أوغلو، أدّى إلى زلزال سياسي وحزبي عاصفَين، ليس فقط في صفوف حزب مصطفى كمال أتاتورك العريق، باني الجمهورية التركية الحديثة، وإنما في الساحة السياسية عامّة، مع تداعيات مباشرة تتعلق باستقرار الحزب، كما باقتراح الذهاب إلى انتخابات مبكّرة على الطاولة، ربيع العام المقبل أو خريفه، مع احتمال أن تتبدّل الآية لتصبح مطلباً لحزب العدالة والتنمية وتحالف الشعب الحاكم، لا حزب الشعب المعارض الذي يحتاج ستة شهور على الأقل للتعافي من آثار الزلزال، ورصّ الصفوف وترتيب البيت الداخلي، والاستعداد كما ينبغي للانتخابات التي يُعتقد أنها في المتناول، إذ يعتبر الرئيس العائد نفسه مهندس الانتصار الكبير في الانتخابات المحلية قبل عامين، والذي أعاد حزب الشعب إلى صدارة الساحة الحزبية ولأول مرة منذ ربع قرن تقريباً.
إذن، قرّرت محكمة الاستئناف في أنقرة نهاية الشهر الماضي (مايو/ أيار) البطلان المطلق لنتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري المعارض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وشهد فرض رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو سيطرته المطلقة وإيصال حليفه أوزغور أوزال إلى زعامة الحزب على حساب الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو الذي قرّرت المحكمة إعادته والهيئات القيادية ذات الصلة إلى القيادة تماماً كما كان الحال صباح 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
وكان أنصار كمال كليتدشار أوغلو قد تحدثوا منذ الساعات الأولى للمؤتمر عن انتهاكات وتجاوزات وتلاعب، وطعنوا بالنتائج عبر تقديم دعوى إلى النيابة العامة للتحقيق في انتهاكات عديدة شهدها المؤتمر، وشملت، حسب الدعوى، رشى عينية لأعضاء المؤتمر (أجهزة إلكترونية حديثة)، وقسائم للتسوق وقضاء العطلات في مولات فاخرة وفنادق ومنتجعات كبرى من أجل التصويت لصالح أوزغور أوزال.
بعد تحقيقات استمرّت سنة ونصف السنة تقريباً، قررت النيابة العام في أنقرة تبنّي الدعوى وإحالتها للمحكمة من أجل إلغاء نتائج المؤتمر، وبينما رفضتها المحكمة الابتدائية (أكتوبر/ تشرين الأول الماضي)، فعلت محكمة الاستئناف العكس، وأصدرت حكمها ببطلان نتائج المؤتمر، وإعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى زعامة الحزب، لعدم حدوث فراغ قيادي فيه إلى حين الحسم النهائي في القضية، مع وجود شواهد ودلائل قوية على التلاعب بالنتائج واستخدام أساليب تنتهك القوانين والإجراءات المرعية.
وبمجرّد صدور قرار المحكمة، نفذت النيابة العامة حملة اعتقالات واسعة في ولايات عدّة، طاولت مشتبهاً بهم في التلاعب والاحتيال والرشوة والتأثير على نتائج مؤتمر حزب الشعب.
حملة اعتقالات واسعة في ولايات عدّة، طاولت مشتبهاً بهم في التلاعب والاحتيال والرشوة والتأثير على نتائج مؤتمر حزب الشعبوتجب الإشارة إلى أن كليتشدار أوغلو لم يتبنّ الدعوى القضائية، ولم يكن أحد مقدّميها، بل فعل هذا رئيس بلدية هاتاي السابق، لطفي سافاش، وأعضاء آخرون، غير أنه لم يعترض عليها، وانتظر النتيجة، مع تأكيد احترام كلمة القضاء أياً كانت، كما حصل فعلاً مع حكم المحكمة الابتدائية برفض الدعوى.
ورغم ضغوط وحتّى تهديدات تعرّض لها كليتشدار أوغلو، وقال إنها لم ولن تؤثر عليه، كونها ليست سوى أزيز بعوضة (حسب تعبيره الحرفي) قرّر قبول الحكم والعودة إلى قيادة الحزب، من أجل إعادته إلى شيفرته الجينية وهويته السياسية، كما قال حرفياً أيضاً.
وفي ما يخص المعسكرَين المتنافسَين وبالعودة إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ورغم خسارة الانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية (مايو/ أيار العام نفسه) التي نافس فيها إلى الأمتار الأخيرة، حاجج كلتشدار أوغلو أنّ الوقت ليس مناسباً للمؤتمر العام، نظراً لضيق الوقت أمام الانتخابات البلدية (مارس/ آذار 2024)، لكنه اضطرّ تحت ضغوط تيار التغيير إلى عقد المؤتمر العام، وبعدها بشهور حقق حزب الشعب انتصاراً كاسحاً في الانتخابات البلدية، أعادته إلى صدارة المشهد السياسي، متفوّقاً لأول مرة منذ عقدَين على حزب العدالة والتنمية، الانتصار الذي اعتبره كمال دوما نتاج سياساته وتتويج جهوده في نحو 15 عاماً بقيادة الحزب.
كليتشدار أوغلو لم يتبنّ الدعوى القضائية، ولم يكن أحد مقدّميها، بل فعل هذا رئيس بلدية هاتاي السابق، لطفي سافاش، وأعضاء آخرونوكان رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الحاكم بأمره صاحب فكرة وديعة أوزغور أوزال ضمن خريطة طريق لحظة بقائه في البلدية حتّى نهاية العام 2026 أو منتصف 2027، ثم الاستقالة واسترداد الوديعة وتزعم الحزب، وإطلاق الحملة الرئاسية على فرض إجراء الانتخابات في موعدها المقرّر ربيع 2028.
بناءً على المعطيات السابقة، يرى كمال كلتشدار أوغلو أن الأولوية تتمثل بترتيب صفوف الحزب وإعادة بناء المؤسّسات وفقاً لشفرته الوراثية وهويته السياسية وهو يتحدث عن عملية فلترة وتطهير من الفساد والفاسدين، والنأي عن رؤساء البلديات وأعضاء الحزب المتورّطين في قضايا الفساد وعدم الدفاع عنهم سياسياً أو إعلاميّاً، وكان لافتاً عرض بعض السيارات الفارهة المملوكة للحزب للبيع مع وضع لافتة" مال حرام" عليها.
وعليه؛ باشر كليتشدار أوغلو فعلاً بإعادة تشكيل المؤسّسات تحديداً المجلسَين المركزي والتنفيذي (برلمان وحكومة الحزب وتشكيل اللجان المختلفة) لتنفيذ الفلترة، حسب تعبيره الحرفي وتنظيف حزب أتاتورك العريق من الفساد والفاسدين، ويتحدّث عن فلترة حزبية أولاً، ثم وطنية، في إشارة إلى الانتصار في الانتخابات المقبلة.
ويحتاج تنفيذ أجندة كليتشدار أوغلو إلى ستة شهور على الأقل لعقد المؤتمر العام للحزب، ومدة مماثلة تقريباً للاستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وحسب مصادر مطلعة، لم يحسم بعد الترشح لزعامة الحزب، ويفكر في البقاء حتى الانتخابات الرئاسية التي لن يترشح لها، ولكنه يبدو واثقاً من الفوز فيها، ويجري الحديث عن مرشّح توافقي داخل الحزب، وربما على المستوى الوطني العام من خارجه، لضمان التفاف المعارضة حوله.
أرست التطورات المتلاحقة والعاصفة في تركيا فكرة الانتخابات المبكّرة ولم تزلها عن جدول الأعمالأما فريق- تيار إمام أوغلو - أوزال فيتحدث عن تدخل سياسي في القضاء، وعدم القبول بالوقائع التي يفرضها كلتشدار أوغلو على الأرض، ويتجه أكثر فأكثر نحو الانشقاق، وتأسيس حزب جديد، سيناريو الكارثة حسب تعبير أوزال، " إما أن نجد طريقاً أو نصنع طريقاً"، حسب تعبير إمام أوغلو.
وربما يجري التفكير بالانضمام إلى أحد الأحزاب اليسارية الصغرى القائمة، وخوض الانتخابات ضمن تحالف واسع لأحزاب المعارضة التي تدعم مقاربة الفريق تجاه قرار محكمة الاستئناف، ورفض تدخل القضاء في الشؤون الداخلية للأحزاب.
وعلى الأغلب، سيكون أوزال مرشّح هذا التحالف، لا إمام أوغلو المعتقل، ويحاكم بتهم فساد واحتيال ثقيلة، تمنعه من الترشّح للانتخابات، وقد تقضي على مستقبله السياسي.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ فكرة الانشقاق عن حزب الشعب، وتشكيل إطار سياسي آخر ليست مستحدثة، وحصلت مرّاتٍ في الحزب نفسه، حتى إن آخر رئيس وزراء في حقبة تركيا القديمة، بولنت أجاويد، كان نتاج سلسلة انشقاقات عن حزب أتاتورك.
وفي العموم، يبدو تيار التغيير في موقع الدفاع ويتلقى الضربات السياسية والإعلامية والقضائية، وربما يبقى ويقاوم انتظاراً للمؤتمر العام وقد يشكل إطاراً جديداً، والاحتمالات متساوية بين الخيارين، لكن الأكيد أنّ حزب الشعب يواجه منعطفاً حاسماً قد يكون الأصعب في تاريخه الحديث.
على غير ما قد يتصوّر بعضهم، كرّست التطورات المتلاحقة والعاصفة فكرة الانتخابات المبكّرة، ولم تزلها عن جدول الأعمال مع استحالة إجرائها في العام الجاري (2026)، وتوافق على العام المقبل (2027) واختلاف على التوقيت، الربيع كما تريد المعارضة أو الخريف كما يفضل الحزب الحاكم الذي قد يقبل إجراءها مبكّراً نسبياً لاستغلال أزمات المعارضة وخلافاتها، ولكنّ هذا مشروط بتحسّن الوضع الاقتصادي تحديداً، وهذا غير متوقع قبل نهاية العام المقبل، حسب التوقعات والأجندة السابقة للحكومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك