يكاد السوريون يثبتون الفكرة التي تولَّدَت لدى المجتمع الدولي، فترة طويلة، أنهم غير قادرين على حل أزماتهم بأنفسهم.
وهي الحقيقة التي تأكدت في أثناء الثورة على حكم بشار الأسد، ما استدعى التدخل الدولي الذي أثمر قرار مجلس الأمن 2254، عن الانتقال السياسي، لحلّ ما عُرف حينها بالقضية السورية.
بعد سقوط النظام، تقاطرت إلى سورية وفود كثيرة، من زعماء وسياسيين ورجال أعمال ومستثمرين باحثين عن فرص فريدة في بيئة واعدة، وصحافيين وسيّاح وغيرهم، يحدوهم أملٌ في أن البلاد باتت أمام عتبة جديدة من التعافي وإعادة البناء والتطوير.
غير أن فترة سنة ونصف سنة من حكم السلطة الجديدة، وبدلاً من البدء في إشادة البناء البديل عن فترة الاستبداد والتأزّم الاقتصادي، أظهرت أن ثمّة مشكلات وأزمات تتوالد من الأزمات القديمة، لأن السلطة أجلت الحل أو عجزت عنه.
وهذه قضايا لا تدفع إلى التساؤل الجدّي بشأن مدى قدرة السوريين على حل مشكلاتهم فحسب، بل عن مدى توفر النيات والإرادة لذلك أيضاً.
لقد آمن سوريون كثيرون، ومعهم مشرّعون دوليون، خلال الثورة السورية على بشار الأسد، وتحديداً في أواخرها، بقدرة النخب السورية على التوافق على حلول تُوقِف الحرب، وتضع البلاد على سكة الحل السياسي الذي يؤدّي إلى انتقال السلطة، والقطع مع الفترة والممارسات التي دفعت المجتمع الدولي إلى مقاطعة سورية وفرض عقوبات عليها وعزلها.
وشهدت تلك الفترة جهداً دولياً كبيراً أفضى إلى إجماعٍ تمخض عنه قرار مجلس الأمن 2245 سنة 2015، ويدعو إلى وقف إطلاق النار في البلاد، والبدء بعملية تسوية سياسية ينخرط فيها السوريون، وتُيسِّر الأمم المتحدة خطواتها، وتنتج منها هيئة حكم انتقالي تدير الفترة الانتقالية حتى إجراء انتخابات، يقرّر فيها السوريون من سيترأس البلاد.
غير أن سلطة الأسد بقيت تماطل سنوات، حتى انمسخت عملية التسوية والحل المنتظر بلجنةٍ تصوغ مشروع دستور جديد، وتضم وفوداً من المعارضة والسلطة والمجتمع المدني السوري، بإشراف مبعوث الأمم المتحدة غير بيدرسون.
غير أن هذه اللجنة أيضاً أفَشلها وفد السلطة عن سابق إصرار وتَرصُّد، تنفيذاً لما قاله وزير خارجية الأسد يومها، وليد المعلم: " سوف نُغرقهم بالتفاصيل"، ففشلت وفشل الحل وانضمت سورية بعدها بجدارة إلى الدول الفاشلة.
المشكلات الأمنية وانتشار خطاب الكراهية وحملات التحريض الطائفية والمناطقية، من العقبات التي تواجه البلاد إذا ما سلكت طريقها إلى التعافيوفي سياق الحديث عن الأزمات العالقة التي لا تجد الحلول، بتنا أخيراً نشهد احتجاجات مطلبية في غير منطقة بدوافع مختلفة، اقتصادية أو خدمية أو حتى أمنية، يمكن القول إن استمرار الأزمات أهم أسبابها.
كذلك يمكن القول إن الإحباط الشعبي، نتيجة تأخّر الإصلاحات وتغيير الواقع المعيش، من أهم دوافعها الواضحة.
أما استجابة المسؤولين لها فتنحصر بالوعود، غير أن الخطر في بعض الوعود أنها تحيل الحل إلى الخارج، فتسمع المسؤول يخاطب المحتجين، قائلاً لهم إن مستثمراً سيأتي ويقيم مشروعاً هنا يوفر فرص عمل، وإن شركة أجنبية ستبني مؤسّسة هناك تؤدي إلى تنمية المنطقة.
وفي هذا تغييبٌ لأي دور محلي للحكومة ومؤسّساتها في الحل، وحصر الحل في الاستثمارات الخارجية، بينما أغلب الحلول يمكن أن تجري عبر الإصلاحات والإدارة الجيدة ومحاربة الفساد وإشراك السوريين بالقرار.
وهذا لا يوحي بأن التعويل على الخارج وصل إلى درجة كبيرة فحسب، بل يوحي أيضاً لأهل الداخل والخارج، بعدم قدرة السوريين على اجتراح الحلول، وهم الذين ساهموا عبر تاريخهم الحديث بنهضة بلادهم، وبمساعدة أشقائهم في الدول العربية، على إيجاد حلول لمشكلاتهم التعليمية والاقتصادية والتنموية.
ثمة خطورة كبيرة في تأجيل حلول للأزمات المتجذرة التي باتت مزمنة، خصوصاً الاقتصادية التي انعكست فقراً وحرماناً على السوريين في العهود السابقة.
وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن الاستثمارات تنتظر توفر البيئة القانونية والأمنية المناسبة لكي تأتي إلى البلاد، فإن عامل الانتظار سيصبح عاملاً مولداً لأزمات جديدة، تُفقِد السوريين مزيداً من عوامل أمانهم الغذائي والاقتصادي والمجتمعي.
ويحصل هذا في وقت وصلت فيه نسبة الفقر بين السوريين إلى 90%.
لذلك سيوصل استمرار هذا الجمود السوريين إلى حافة الجوع، بينما تبدو مظاهر الثراء الفاحش واضحة على نسبة أخرى قليلة منهم.
ومن الواجب، والحال هذه، التذكير دائماً بأن سبب ثورة السوريين، ومن ثم الحرب التي استمرت 14 سنة، هو فقدان شعورهم بالعدالة الاجتماعية.
ولا تُعرف أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية في بلاد خارجة من حربٍ تدميرية إلا بعد معرفة قيمتها ودورها في حماية المجتمع من أزماته وزيادة تماسكه، وانعكاسها على اقتصاد البلاد، عبر تحشيد قدرات الجميع للمساهمة في تطوير البلاد من خلال المبادرات الفردية والأعمال والتطور العلمي والتكنولوجي، والذي لا يتم إلا من خلال تحقيقها.
ينتظر السوريون، وخصوصاً أبناء الثورة وذوي الضحايا والمهجّرين، تشريعات وقرارات تنص على توزيع الثروة وتأمين حاجات أبناء الشعبوفي سياق آخر، تبقى المشكلات الأمنية وانتشار خطاب الكراهية وحملات التحريض الطائفية والمناطقية، من العقبات التي تواجه البلاد إذا ما سلكت طريقها إلى التعافي.
ولا يمكن، والحال هذه، التخلص من تركة الحرب نفسياً ومادياً، وخروج السوريين من عقلية الحرب والتحارب والتوترات الأمنية، إلا عبر عقد اجتماعي جديد، مبني على أسس من العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية والشفافية والتشاركية وقوننة الحريات العامة والفردية وإحقاق الحقوق.
أما غير ذلك، فسيستمر فقدان الاستقرار الأمني، وستستمر عقلية الحرب في الحكم، مع غياب أي ضمانات مؤسّساتية تمنع تحول المظلوم الذي انتقل إلى موقع القوة إلى ظالم، ينطلق في سلوكه المجتمعي والإداري والقيادي من عقلية المنتصر.
ينتظر السوريون، خصوصاً أبناء الثورة وذوي الضحايا والمهجّرين، تشريعات وقرارات تنص على توزيع الثروة وتأمين حاجات أبناء الشعب، وإلا فسيشعرون أن ما ناضلوا وضحّوا من أجله سرعان ما ضاع وانهارت أحلامهم مع ضياعه، فجنوا الفقر والإحباط، ولا يصبح أمامهم سوى الاحتجاجات لتكون من خياراتهم التي سيجبرون عليها.
ولا يمكن تلافي واقع شبيه بهذا الواقع، إلا بإشراك الجميع في حل مشكلات البلاد.
وليست آثار فيضان نهر الفرات على المناطق المتاخمة لمجراه، وقبلها أزمة تسعير محصول القمح، إلا نتيجة عدم إشراك الخبراء والمختصين في القرار، فتبعات غياب التشاركية ليست آنية وقابلة للتخطي، بل مهلكة ولا يمكن تلافيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك