رجال أوفوا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم يوم ارتدوا الزي الرسمي وأقسموا أن تكون حماية الوطن فوق كل اعتبار، ساروا في طريق الواجب حتى نهايته، غير عابئين بالمخاطر أو التضحيات، فخلدت أسماءهم في سجل الشرف والبطولة، ومن بين هؤلاء الأبطال يبرز اسم الشهيد العقيد رامي هلال، الضابط بقطاع الأمن الوطني، الذي كتب الفصل الأخير من حياته وهو يطارد إرهابيا اختار أن يواجهه بنفسه حمايةً للمواطنين.
وبالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو، التي استعادت فيها الدولة استقرارها وواجهت مخططات الفوضى والإرهاب، تتجدد ذكرى رجال دفعوا أرواحهم ثمنا للحفاظ على أمن الوطن، وكان الشهيد رامي هلال واحدا من هؤلاء الذين خاضوا معركة طويلة ضد التنظيمات الإرهابية، مؤمنا بأن الدفاع عن مصر رسالة لا تتوقف عند حدود الواجب الوظيفي، بل تمتد إلى التضحية بالحياة نفسها إذا اقتضى الأمر.
وفي يوم الاثنين 18 فبراير 2019، تابع المصريون مشهدا مؤثرا وثقته إحدى كاميرات المراقبة بمنطقة الدرب الأحمر، ظهر العقيد رامي هلال وهو يراقب تحركات الإرهابي المطلوب، بعد رحلة بحث استمرت أياما.
وما إن سنحت الفرصة لضبطه حتى اندفع نحوه بكل شجاعة، لكن الإرهابي فجّر نفسه بحزام ناسف كان يرتديه، ليسقط الشهيد مضرجا بدمائه بعد أن أنقذ المنطقة من كارثة محققة كان يمكن أن تحصد أرواح عشرات الأبرياء.
رحلة المطاردة.
من الجيزة إلى الدرب الأحمربدأت القصة ظهر الجمعة 15 فبراير 2019، حين ألقى أحد العناصر الإرهابية عبوة بدائية الصنع على قوة أمنية متمركزة بمحيط مسجد الاستقامة بميدان الجيزة، قبل أن يفر هاربا بين الشوارع والأزقة.
على الفور انطلقت جهود البحث والتحري، وتولى قطاع الأمن الوطني مهمة تتبع الجاني.
وعلى مدار نحو 72 ساعة، واصل رجال الأمن فحص كاميرات المراقبة وتتبع خط سير الهارب، حتى نجحت التحريات التي شارك في قيادتها العقيد رامي هلال في تحديد مكان اختباء الإرهابي داخل أحد المنازل بحارة الدريري بمنطقة الدرب الأحمر.
وقبل توجهه للمأمورية الأخيرة، أجرى الشهيد اتصالا هاتفيا بأسرته للاطمئنان عليهم كما اعتاد دائما، ولم يكن أحد يعلم أنّ تلك المكالمة ستكون الأخيرة، وبعد وصوله إلى موقع الاختباء بدأ مراقبة المكان وانتظار اللحظة المناسبة للقبض على الإرهابي.
وعندما غادر الإرهابي المنزل مستقلا دراجة هوائية، تحرك العقيد رامي هلال ومعه فردا شرطة لضبطه، لكن الإرهابي فجّر نفسه في اللحظة ذاتها، واستشهد العقيد رامي هلال ورفيقاه في الحال، فيما أصيب عدد من الضباط خلال الانفجار.
وُلد الشهيد رامي علي أحمد علي هلال بالقاهرة عام 1979، وتخرج في كلية الشرطة عام 2001، ليبدأ مسيرة حافلة بالعطاء بين قطاعات وزارة الداخلية المختلفة.
عمل بالأمن المركزي في بداياته، ثم انتقل إلى قطاع الأمن الوطني، حيث شارك في العديد من الملفات الأمنية المهمة.
ولم يكن رامي هلال بطلا في مواجهة الإرهاب فقط، بل كان قريبا من المواطنين ومحبوبا بينهم، عرفه أهالي شبرا الخيمة بمواقفه الإنسانية ومساندته للبسطاء، حتى أطلق عليه البعض لقب «نصير الغلابة»، بعدما ساهم في حل مشكلات عدد من المواطنين وساعد في توفير موقف سيارات يخدم الأهالي بالمنطقة.
وشارك الشهيد في العديد من العمليات الأمنية المهمة التي استهدفت العناصر الإرهابية المتورطة في جرائم كبرى، بينها ملاحقة المتهمين في اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات، وعدد من القضايا الإرهابية التي استهدفت مؤسسات الدولة.
وفي المهمة الأخيرة، كان هو من نجح في تتبع خط سير الإرهابي منذ لحظة هروبه من الجيزة وحتى اختبائه في الدرب الأحمر، ظل يراقب تحركاته بدقة، وعندما حانت لحظة المواجهة لم يتردد في التقدم نحوه، مدركا أنّ الخطر قائما لكنه اختار أن يسبق الموت بخطوة حتى لا يصل الإرهابي إلى الأبرياء.
رحل رامي هلال، لكن بقيت سيرته شاهدة على رجل عاش مقاتلا في الظل، واستشهد واقفاً في الميدان، ليبقى اسمه واحدا من الأسماء التي سطرت بدمائها صفحات مضيئة فى تاريخ مواجهة الإرهاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك