تكثفت التحركات الباكستانية على خط الوساطة بين طهران وواشنطن مع وصول وزير الداخلية محسن نقوي إلى العاصمة الإيرانية حاملاً رسائل من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في زيارة وُصفت بأنها تحمل مضامين تتجاوز نقل المواقف إلى محاولة الدفع نحو تسوية عملية للملفات العالقة.
وقال مدير مكتب الجزيرة في إسلام آباد عبد الرحمن مطر إن الزيارة الحالية هي الثالثة لوزير الداخلية الباكستاني إلى إيران منذ بدء الأزمة والحرب، وتأتي في سياق الجهود التي تقودها إسلام آباد لتقريب وجهات النظر بين الجانبين الإيراني والأمريكي.
وأضاف أن التحرك السريع للوزير، والذي بدأ بلقاء مع نظيره الإيراني في العاصمة القرغيزية بيشكيك، ثم انتقاله إلى باكستان ولقائه رئيس الوزراء شهباز شريف في لاهور، وقائد الجيش عاصم منير في راولبندي، قبل التوجه إلى طهران، يعكس أهمية المهمة المطروحة على جدول أعمال الزيارة.
وبحسب معلومات نقلها مصدر تحدث للجزيرة، فإن الرسالة التي يحملها الوزير إلى المرشد الإيراني توصف بأنها" مهمة وخاصة"، وتتضمن مجموعة من الأفكار المرتبطة بملف الأصول والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج.
وبحسب مطر فإن التركيز على ملف الأرصدة المجمدة قد يُفهم في باكستان باعتباره مؤشراً على إحراز تقدم في ملفات خلافية أخرى بين إيران والولايات المتحدة، وأن العقدة الأساسية المتبقية تتعلق بآليات الإفراج عن الأموال الإيرانية.
وأوضح مدير مكتب الجزيرة بإسلام آباد أن الخارجية الباكستانية كانت قد أكدت خلال الأيام الماضية استمرار قنوات التواصل وتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران عبر الوساطة الباكستانية، ما يعزز الانطباع بأن إسلام آباد لم تعد تكتفي بدور ناقل الرسائل، بل باتت تقدم مقترحات وتسعى لإقناع الطرفين بها.
من جانبه، قال مدير مكتب الجزيرة في طهران نور الدين الدغير إن زيارة الوزير الباكستاني تحمل أهمية خاصة باعتبار أن إسلام آباد باتت تؤدي دور الوسيط الرئيسي في المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى أن عودة الوزير إلى العاصمة الإيرانية تعكس استمرار وجود نقاط خلافية لم تُحسم بعد داخل مسودة التفاهم.
وأضاف الدغير أن إحدى أبرز القضايا العالقة تتعلق بالصيغة المرتبطة بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو ملف تعتبره طهران جزءاً أساسياً من سياق التفاهمات، إلى جانب ملف الأرصدة الإيرانية المجمدة وآليات الإفراج عنها وتوقيت وصولها إلى إيران.
وتابع أن الملف الثالث يتمثل في مستقبل مضيق هرمز ومسألة رفع القيود عن الموانئ الإيرانية، موضحاً أن هذه الملفات الثلاثة تشكل العقد الأساسية التي تسعى الوساطة الباكستانية إلى معالجتها خلال المرحلة الحالية.
وأشار الدغير إلى أن حضور وزير الداخلية الباكستاني يهدف أيضاً إلى تجاوز بطء تبادل الرسائل بين الطرفين عبر توفير قناة تواصل أكثر مباشرة تسمح بمناقشة النقاط الخلافية بشكل متزامن، بما يسرّع فرص التوصل إلى تفاهم نهائي يمهد للتوقيع على مذكرة التفاهم.
وفي ما يتعلق بالموقف الإيراني من المسودة المطروحة، أوضح مدير مكتب الجزيرة في طهران أن مسار دراسة الاتفاق داخل المؤسسات الإيرانية يشهد مرونة نسبية، بعدما انتقلت المذكرة بين الجهات المختصة، بدءاً من مجلس الأمن القومي الإيراني وصولاً إلى الدوائر العليا المعنية باتخاذ القرار.
وبحسب المعطيات المتداولة في طهران، فإن مجلس الأمن القومي الإيراني يعقد مشاورات للنظر في الصيغة النهائية للمذكرة، باعتباره الجهة المخولة باتخاذ القرار النهائي، وسط حديث عن منح المجلس مساحة أوسع للحسم في هذا الملف.
وأشار الدغير إلى أن آلية اعتماد القرار داخل المجلس تتطلب موافقة ثلثي الأعضاء حتى يصبح نافذاً، وهو ما يجعل الساعات المقبلة محط ترقب لمعرفة ما إذا كانت الوساطة الباكستانية ستنجح في تجاوز العقبات المتبقية والدفع نحو إعلان تفاهم جديد بين طهران وواشنطن.
ومن واشنطن، قال مراسل الجزيرة محمد الأحمد إن المشهد الحالي يعكس استمرار المواجهة الميدانية بالتوازي مع تحركات سياسية نشطة، موضحاً أن القيادة المركزية الأمريكية أعلنت إسقاط مسيّرتين إيرانيتين قالت إنهما شكلتا تهديداً مباشراً للملاحة في مضيق هرمز، وذلك بعد اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيرة أطلقت باتجاه المضيق ودول خليجية مجاورة.
وأضاف الأحمد أن واشنطن تؤكد استمرار حماية الملاحة الدولية والرد على ما تصفه بالتهديدات الإيرانية، مع إبقاء قواتها في حالة تأهب، لكنها في المقابل لا تعتبر أن هذه التطورات الميدانية تعني انهيار المسار التفاوضي، طالما لم تؤدِ إلى سقوط قتلى من القوات الأمريكية أو تجاوز ما تصفه الإدارة بالخطوط الحمراء.
وأشار إلى أن الرسائل السياسية الصادرة عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تشهد تغييراً، إذ لا تزال ترى أن فرص التوصل إلى اتفاق أصبحت أقرب من أي وقت مضى، وأن الكرة حالياً في الملعب الإيراني بانتظار الرد الرسمي على المقترحات المطروحة.
وأوضح مراسل الجزيرة أن واشنطن كانت تراهن على تحقيق اختراق دبلوماسي قبل نهاية الأسبوع، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن، في حين يُنظر إلى التحرك الباكستاني باعتباره جزءاً من جهود وساطة متعددة تستهدف تقليص الفجوة بين الطرفين والدفع نحو التوصل إلى مذكرة تفاهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك