(CNN) -- قلة من المعماريين الأحياء يمكنهم الادعاء أنّهم ساهموا في تشكيل هوية حي كامل، ناهيك عن مدينة أو دولة بأكملها.
ومع ذلك، في قارة تزيد مساحتها بحوالي 40% عن مساحة أوروبا، تمكن رجل واحد من فرض تأثير استثنائي على عمارة قارة كاملة.
تضم القارة القطبية الجنوبية، أنتاركتيكا، أكثر من 70 محطة أبحاث دائمة، وقد عمل المعماري البريطاني هيو بروتون، البالغ من العمر 61 عامًا، على تصميم عدد من هذه المحطات يفوق أي شخص آخر.
وقد صممت شركته، التي تحمل اسمه، منشآت علمية للمملكة المتحدة وإسبانيا، وطوّرت مشاريع لكوريا الجنوبية والهند والبرازيل، كما تعاونت مع أستراليا ونيوزيلندا لإعادة تطوير قواعدهما القطبية.
وأصبح أسلوبه المعماري المستقبلي، الذي وُلد من رحم الضرورة في واحدة من أقسى بيئات العالم، بمثابة اللغة المعمارية السائدة في القارة المتجمدة.
ويقول بروتون من مكتبه الصغير في لندن، الذي يضم 16 موظفًا ويقع على بعد نحو 16 ألف كيلومتر من القطب الجنوبي: " أعتقد أنّ تغطيتنا لمشاريع أنتاركتيكا جيدة جدًا، وربما أكثر من أي مكتب آخر في العالم".
تتميز مباني بروتون بزواياها المستديرة، وألوانها الزاهية، وأشكالها التي تشبه الكبسولات الفضائية.
وهذه السمات ليست مجرد اختيارات جمالية، بل حلول عملية لمواجهة تحديات البناء في مناخ متطرف.
ومع ذلك، لا يخفي بروتون تأثره بعالم الخيال العلمي، إذ يقول: " نقضي وقتًا في مشاهدة لقطات من أفلام مثل حرب النجوم.
نحن نحب تصاميم الفضاء في هذا المكتب، ولا شك أن شيئًا منها يتسلل إلى تصاميمنا".
بدأت رحلة بروتون مع عمارة القطب الجنوبي بالصدفة عام 2004، عندما سمع عبر الراديو عن مسابقة لتصميم محطة أبحاث على الجرف الجليدي" برانت".
وقد شجعه زملاؤه على حضور الاجتماع التعريفي.
وكانت النتيجة تصميمه لمحطة" هالي 6" البريطانية، التي تعد اليوم واحدة من أكثر المنشآت شهرة في أنتاركتيكا.
وتتكون المحطة من وحدات مرتفعة متصلة بممرات معزولة تشبه الأكورديون، وتقف على أرجل هيدروليكية مزودة بزلاجات تسمح لها" بالتسلق" فوق الثلوج المتراكمة باستمرار.
ونظرًا لتحرك الجرف الجليدي نحو البحر بسرعة تقارب 4 أمتار يوميًا، صُممت المحطة بحيث يمكن سحبها بالكامل إلى الداخل إذا ظهرت تشققات خطيرة في الجليد.
وهذا ما حدث فعلًا عام 2017 عندما نُقلت المحطة لمسافة 22 كيلومترًا هربًا من صدع ضخم عرف باسم" Halloween Crack" (شق الهالوين).
ومنذ اكتمال هذا المشروع، أصبح بروتون المرجع الأول في تصميم المنشآت القطبية.
كما استخدمت خبرته للعمل في أماكن نائية أخرى، مثل جزيرة" تريستان دا كونا"، إحدى أكثر الجزر المأهولة عزلة في العالم.
تتمثل أحدث مشاريعه بالقارة القطبية الجنوبية في مبنى" ديسكفري" في محطة" روثيرا" البريطانية للأبحاث، وهو منشأة ضخمة تبلغ مساحتها نحو 4,460 مترًا مربعًا، تضم ورش عمل ومرافق طبية ومناطق لتحضير البعثات العلمية، إضافة إلى برج مراقبة للعمليات الجوية والبحرية.
لكن أكثر ما يثير حماس بروتون ليس الجانب التقني، بل المساحات الداخلية المضيئة والحيوية.
في الماضي، كانت محطات أنتاركتيكا تُصمم غالبًا على يد مهندسين ركزوا على الجانب العملي فقط، من دون اهتمام كبير براحة السكان.
وكانت النتيجة أماكن باردة نفسيًا وعديمة الإلهام، تؤثر سلبًا على المقيمين لفترات طويلة.
أمّا اليوم، أصبح يُطلب من المعماريين التفكير في التجربة الإنسانية داخل العزلة القاسية.
ويهتم بروتون كثيرًا بالتفاصيل النفسية والمعيشية لسكان محطات الأبحاث، الذين قد يقضون عامين كاملين في تلك البيئات النائية.
ويدرس المعماري العلاقة بين المساحات الخاصة والعامة، وتأثير الألوان والإضاءة والمواد المختلفة على الصحة النفسية.
حتى الروائح لها أهمية في تصميمه، إذ يعتقد أن رائحة خشب الأرز اللبناني الطبيعية تساعد في تخفيف آثار الحرمان الحسي.
كما يولي اهتمامًا كبيرًا للنوافذ والإضاءة الطبيعية، رغم أنّ الزجاج في القطب الجنوبي يعني فقدانًا أكبر للحرارة.
لذا يستخدم تقنيات متطورة مثل الزجاج الثلاثي والعوازل الهوائية الشفافة التي طورتها وكالة الفضاء الأمريكية" ناسا"، فهي تسمح بدخول الضوء وتقليل فقدان الحرارة في الوقت ذاته.
تاريخ العمارة في أنتاركتيكاورغم أنّ تاريخ العمارة في أنتاركتيكا قصير نسبيًا، فإن البناء هناك يخضع لقيود صارمة، فجميع مشاريعه تحتاج إلى موافقة الدول الموقعة على معاهدة أنتاركتيكا، كما يجب إجراء دراسات شاملة لتقييم الأثر البيئي.
ويؤكد بروتون أن فكرة امتلاك" ورقة بيضاء" للتصميم في القارة المتجمدة ليست صحيحة، لأن البيئة نفسها تفرض قواعدها الصارمة.
ولا تقتصر التحديات على الطقس القاسي، فالحيوانات أيضًا تشكل خطرًا حقيقيًا.
وواجه بروتون أثناء العمل على القاعدة الإسبانية" خوان كارلوس الأول" مشكلة مع فقمات الفراء التي كانت تستلقي فوق أنابيب الوقود وأمام الأبواب.
أمّا فقمة الفيل العملاقة فهي أخطر، فقد تصطدم بالمبنى وتتلف واجهته بسبب ضعف بصرها.
وتؤثر الحياة البرية على اختيارات الألوان.
وقد اختار بروتون الألوان الزاهية بعد استشارة علماء أحياء بحرية خشوا أن تصطدم الطيور بالمباني البيضاء أو الرمادية، بينما قد يؤدي الإفراط في اللون الأحمر إلى إرباك البطاريق التي لا تستطيع تمييزه.
وفي المستقبل، ربما تصبح تصاميم بروتون بمثابة مراجع معمارية أولية.
لكنه يتعامل مع هذه الفكرة بتواضع، مكتفيًا بالقول إنه يشعر بالسعادة عندما يرى بعض أفكاره تنتقل إلى محطات أخرى لم يشارك في تصميمها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك