يواجه قطاع النقل البري منذ اندلاع الصراع المسلح بين الجيش وقوات" الدعم السريع" المستمر الذي دخل عامه الرابع تدهوراً حاداً بسبب الارتفاع الجنوني في الرسوم الجمركية مقابل إكمال إجراءات تخليص المركبات، مما أدى إلى عجز الشركات العملاقة عن استجلاب أساطيل حديثة بصورة سنوية، إلى جانب ارتفاع كلفة التشغيل بسبب أزمة الوقود التي تفاقمت مع اضطرابات منطقة الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً.
تقدر خسائر قطاع النقل الإجمالية في السودان خلال الحرب بنحو ملياري دولار، الذي يضم نحو 150 شركة نقل بري تعمل في حركة السفر بين الولايات، علاوة على ما لا يقل عن 15 ألف حافلة على مستوى العاصمة الخرطوم، في وقت تعترض هذا القطاع عقبات غير مسبوقة تتمثل في خروج 12 شركة من الخدمة بصورة نهائية، وتجميد نشاط 10 شركات، فيما تواجه قرابة 50 شركة خطر الإغلاق وتصفية العاملين قبل أن تستعيد 50 في المئة منها توازنها في العام الماضي نتيجة اتساع رقعة المناطق الآمنة وسط وشمال وشرق وجنوب البلاد.
يقول معاوية إبراهيم وهو أحد التجار في ولاية النيل الأبيض، إن" الحرب التي اندلعت في السودان أفرزت صعوبات جمة ظلت تواجهني في حركة السفر بين مدينتي كوستي وبورتسودان من أجل جلب البضائع من الموانئ، تمثلت في ارتفاع قياسي في قيمة تذكرة الرحلة، إذ بلغت على نحو مفاجئ 400 ألف جنيه (100 دولار)، في حين كانت تباع في حدود 180 ألف جنيه (45 دولاراً)، أما كلفة نقل البضائع فحدث ولا حرج، فقد ارتفعت ما يزيد على أربعة أضعاف مما كانت عليه قبل بداية الحرب".
وأضاف إبراهيم" هذا الوضع المتأزم قاد كثيراً من المسافرين، بخاصة التجار إلى رفع شكاوى واحتجاجات متواصلة بشأن الزيادات المستمرة في تذاكر السفر وشحن البضائع مع غياب الرقابة، لكن من دون جدوى، ويبرر أصحاب شركات النقل ارتفاع أسعار التذاكر والشحن إلى عدم توفر الوقود في ظل الأزمة الداخلية في البلاد التي ترافقت مع حرب إيران وقادت بدورها إلى أزمة عالمية في النفط، فضلاً عن تهاوي قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، كما أن أي تطورات في سياق الحرب ترمي بثقلها على المواطن الذي يكافح من أجل الحفاظ على سبل العيش".
وأشار التاجر إلى أنه" لا بد من تدخلات حكومية من قبل وزارة النقل لتحسين بيئة هذا القطاع الحساس الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ومساعدته على النهوض مجدداً حتى تستطيع شركات النقل أن تدير أسطولها بصورة أفضل، ومن ثم تخفيف العبء على المواطنين".
بينما أوضح محمد عوض المستثمر في قطاع النقل بقوله" قبل ثلاثة أعوام كنت أشتري قطع غيار الحافلات بأسعار زهيدة، فمثلاً قطعة صغيرة من مضخات الزيت بنحو 20 ألف جنيه (5 دولارات)، فيما وصلت اليوم إلى 60 ألف جنيه (15 دولاراً)، وهو مؤشر يؤكد أن سعر المركبة نفسها تضاعف ثلاث مرات".
ولفت عوض إلى أن" قطاع النقل يواجه تدهوراً حاداً بسبب الارتفاع الجنوني في الرسوم الجمركية، مما أدى إلى إحجام عديد من الشركات الخاصة المعروفة بنشاطها السنوي في استجلاب أحدث أساطيل النقل عن الاستيراد لأنها باتت مجبرة على دفع سعر الحافلة مرتين لمصلحة سلطات الجمارك السودانية في بورتسودان".
وأشار المستثمر السوداني إلى أن" سعر الحافلة حتى وصولها موانئ بورتسودان بلغ حوالى 80 ألف دولار، بينما تتحصل السلطات على 40 ألف دولار كرسوم جمركية وضريبية".
ومضى المستثمر قائلاً" في تقديري أن المعضلة الكبرى تكمن في أسعار الوقود، خصوصاً الجازولين الذي يعد المحرك الأساس للحافلات السفرية، فقد ارتفع سعر الغالون الواحد إلى 50 ألف جنيه (12 دولاراً) خلال مايو (أيار) الماضي، مما يعد ارتفاعاً جنونياً ظل يتحمله المواطن بصورة أساسية، لا سيما أن هذه التحولات الكبيرة في أسعار الوقود دفعت الشركات إلى إيقاف سفرياتها إلى المدن".
في السياق، أفاد أحمد عبدالرازق العامل في أحد مكاتب السفريات في أم درمان أن" ارتفاع كلفة تشغيل الحافلات السفرية أجبر بعض الشركات على تخفيض أسطولها من 10 حافلات إلى ثلاث فقط تجنباً للكلفة العالية، لجهة أصبح هناك فجوة بين الطلب والعرض في سوق النقل البري، إذ كان القطاع ينشط في نقل 15 مليون شخص سنوياً، وبات الآن ينقل 18 مليون شخص، لا سيما أن الزيادة في الأساس تعود إلى موجات النزوح والتنقل الاضطراري من ولاية إلى أخرى بسبب استمرار النزاع المسلح في البلاد".
وتابع عبدالرازق" المشكلة أن الضرائب الحكومية مرتفعة للغاية، وأسهمت إلى حد بعيد في إحداث شلل لهذا القطاع، إذ زادت بنسبة 500 في المئة مقارنة بالعامين الماضيين، فهي تزداد كلما انهار سعر صرف الجنيه السوداني".
وأوضح العامل في مكاتب السفريات أن" معاناة قطاع النقل ظلت مستمرة منذ أمد بعيد، إذ خرج حوالى 45 مستثمراً خلال خمسة أعوام مضت في السوق المحلية بسبب كلفة التشغيل والرسوم الحكومية على المركبات وضعف القدرة التنافسية، وبالتالي يشهد القطاع تراجعاً كبيراً".
على نحو متصل، يقول المحلل الاقتصادي عمر أبشر إن" الأزمة الاقتصادية في السودان أثرت بصورة مباشرة على حركة المواصلات داخل المدن بسبب عدم تأمين الوقود نتيجة ارتفاع أسعاره، إذ يواجه سائقو المركبات في ثلاث مدن رئيسة هي بورتسودان وعطبرة والخرطوم مشكلة حقيقية في توفير الوقود".
وأضاف أبشر" هناك حوالى 8 ملايين شخص تضرروا من الزيادة المطردة في تعرفة المواصلات خلال الشهرين الماضيين، وأثرت الأزمة في وصول 7 ملايين شخص من القرى المجاورة إلى الأسواق في شرق ووسط وجنوب البلاد".
وأردف المحلل الاقتصادي" في مدينة كسلا شرق البلاد يعتمد المواطنون على الأسواق الرئيسة ويتحركون من الأرياف البعيدة بكلفة لا تقل عن 7 آلاف جنيه يومياً (1.
80 دولار)، وهذه الأسعار الباهظة تحرم الملايين من الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية مثل المستشفيات والمدارس والجامعات".
وبين أن" الدولة تركت قطاع النقل تحت رحمة السوق الموازية التي تؤثر بصورة مباشرة على أسعار الوقود، ومن ثم تقع الأعباء بصورة كاملة على كاهل المواطنين الذين يعتمدون على قطاع النقل العام، ويدفعون الكلف الإضافية عوضاً عن تدخل السلطات وإعادة النظر في دعم السلع الحيوية مثل الجازولين في الوضع الراهن".
وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن" السودان استورد وقود الديزل بقيمة 1.
2 مليار دولار العام الماضي، وهذا العام قد ترتفع الفاتورة إلى 1.
9 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط عالمياً واضطرابات الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، مما يعني أن قطاع النقل هو حائط الصد الأول، بينما يتحمل المواطنون العبء الأكبر".
ونبه المتحدث إلى أن" الحلول الجذرية تكمن في إعادة تسيير القطارات بين الولايات والعاصمة الخرطوم، وبإمكان هيئة السكك الحديدية إعادة تشغيل نحو ثلاثة قطارات إلى الخدمة إذا ما حصلت على التمويل اللازم".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك