فى عالم النشر العربى، لا تبدأ أزمة الكتاب عند لحظة الكتابة، بل ربما تبدأ بعد انتهاء المخطوط نفسه، هناك، فى المساحة الفاصلة بين المؤلف ودار النشر، تتداخل الأحلام بالحقوق، والطموحات بالبنود القانونية، والثقة الشخصية بالالتزامات المهنية، وبين كاتب ينتظر كشف مبيعات قد لا يصل، وناشر يواجه سوقًا مرتبكًا وتكاليف متصاعدة، تتراكم الأسئلة القديمة نفسها من يملك النص؟ من يحدد عدد النسخ؟ من يحاسب؟ ومن يحمى الطرفين من الخسارة وسوء الفهم؟
ومن أجل هذا تواصلنا مع رئيس اتحاد الناشرين العرب، الناشر محمد رشاد، فى البداية يرى رئيس اتحاد الناشرين العرب، محمد رشاد أن العقد يظل حجر الأساس فى أى علاقة نشر محترفة، مؤكدًا أن غياب العقود الواضحة كان سببًا رئيسيًا فى ضياع كثير من الحقوق، ليس فقط للمؤلفين، بل حتى لورثتهم لاحقًا، وخلال حواره معنا كشف رشاد عن الكثير من النقاط التى تهم الطرفين الناشر والمؤلف، فإلى نص الحوار:لماذا يحتاج الكاتب إلى عقد قبل طباعة كتابه؟فى البداية، علينا أن نعترف بأن عددًا كبيرًا من الكتاب والمفكرين الكبار، طوال سنوات عملى فى مهنة النشر، لم يكونوا يوقعون عقودًا مع دور النشر، وكانوا يعتمدون على العلاقات الشخصية فقط، وهذا خطأ كبير للغاية.
وأتذكر أن من بين هؤلاء الدكتور الراحل جابر عصفور، إذ لم يكن يوقع عقودًا إلا فى نطاق محدود جدًا، وعندما تحدثت معه فى هذا الأمر أكدت له أن العقد لا يحفظ حقوقه وحده، بل يحفظ أيضًا حقوق الأجيال التالية له، فالعقد هو طوق النجاة الحقيقى للكاتب، وغيابه يفتح أبواب ضياع الحقوق، لأن الكاتب يقتطع جزءًا من عمره ووقته لإنتاج كتاب، وهو ما يكون غالبًا على حساب أسرته وحياته الخاصة، وبالتالى فمن الطبيعى أن تستمر حقوقه بعد وفاته، وللأسف، هناك بعض دور النشر التى لا تلتزم بحقوق المؤلفين، بل إن البعض لا يلتزم حتى بالعقود التى يوقعها، وهو ما يسىء إلى المهنة بأكملها.
وأرى أنه من الضرورى جدًا أن يوقع أى كاتب أو مؤلف عقدًا واضحًا يحدد حقوق وواجبات الطرفين، وأن يكون العقد محدد المدة ومتضمنًا للنسب وطبيعة الاتفاق بشكل واضح، حتى فى الحالات التى يتحمل فيها المؤلف تكلفة الطباعة، لا بد من وجود عقد، لأن بعض الناشرين يحصلون على أموال من المؤلف ثم يمنحونه عددًا محدودًا من النسخ فقط، بينما المفترض أن يسترد المؤلف ما دفعه إضافة إلى هامش ربح، لأنه فى هذه الحالة يصبح مؤلفًا وناشرًا فى الوقت نفسه، بينما يقتصر دور الناشر على التوزيع.
ماذا عن دور النشر التى ترفض توقيع عقود تفصيلية؟بصراحة، دار النشر التى لا توقع عقدًا مع المؤلف لا تستحق أن تسمى دار نشر من الأساس، فالعقد لا يحفظ حق المؤلف فقط، بل يحفظ حق الناشر أيضًا، لأنه قد تنشأ خلافات مستقبلًا، ومن ثم يجب أن تكون جميع التفاصيل موثقة وواضحة.
هل توجد صيغة عربية موحدة أو شبه موحدة لعقود النشر؟لقد قام اتحاد الناشرين العرب بإعداد عقود نموذجية، ولكن لا الناشرون ولا المؤلفون يلتزمون بها بشكل كامل، وفكرة العقد الموحد ليست سهلة التطبيق، لأن أساليب التعاقد تختلف من حالة إلى أخرى، فقد يكون الاتفاق قائمًا على نسبة من سعر الغلاف يحصل عليها المؤلف، وفى هذه الحالة يتحمل الناشر التكلفة كاملة، وهناك نوع آخر يعتمد على مبلغ مقطوع لفترة زمنية محددة، مثل ثلاث أو خمس سنوات، وهناك اتفاقات مرتبطة بعدد الطبعات، وأخرى يتحمل فيها المؤلف تكلفة الطباعة بنفسه، لكن فى جميع الأحوال، إذا كان المؤلف هو من يتحمل التكلفة، فيجب أن يعامل باعتباره شريكًا فى النشر، وليس مجرد صاحب مخطوط.
ما البنود الأساسية التى يجب ألا يغفلها أى ناشر أو مؤلف؟أول ما يجب أن يتضمنه العقد هو تاريخ التعاقد ومدة الاتفاق بشكل واضح، وكذلك يجب تحديد طبيعة الحقوق المتفق عليها، هل العقد يخص الكتاب الورقى فقط؟ أم يشمل الكتاب الإلكترونى والكتاب الصوتى والحقوق السمعية والبصرية؟كما ينبغى تحديد نسب المؤلف من المبيعات الإلكترونية والصوتية، وبيان ما إذا كانت هناك حقوق خاصة بتحويل العمل إلى أعمال درامية أو فنيةـ كل هذه التفاصيل يجب أن تكون واضحة للطرفين، لأن العقد شريعة المتعاقدين، وأى اتفاق لا بد أن يكون مكتوبًا بشكل صريح.
كيف يتم احتساب نسبة المؤلف من المبيعات؟تختلف النسب من دولة إلى أخرى، ومن نوع كتاب إلى آخر، ففى فرنسا على سبيل المثال، تتراوح نسب الكتب الأدبية والفكرية بين 8 و12%، أما فى العالم العربى، فتبدأ النسب غالبًا من 10%، وقد تصل فى بعض الكتب الأكاديمية إلى 15 و20%، بل وتصل أحيانًا إلى 25% إذا كان جزء من التوزيع موجها للطلاب، أما كتب الأطفال، فتبلغ النسبة فى فرنسا نحو 5% بسبب ضخامة أعداد النسخ المطبوعة، والأهم من النسبة نفسها أن يتضمن العقد موعد المحاسبة، سواء كل ستة أشهر أو مرة سنويًا، ومن المفترض أن تلتزم دار النشر المحترفة بالمحاسبة تلقائيًا دون انتظار مطالبة المؤلف.
هل تختلف النسبة بين الطبعة الأولى وإعادة الطباعة؟فى الغالب لا تختلف، لأن العقد يكون محددًا فيه أن الاتفاق يشمل عدة طبعات خلال مدة معينة، كخمس سنوات مثلًا، أما إذا انتهت مدة العقد، فيتم توقيع عقد جديد وفقًا لاتفاق الطرفين.
هل يحصل الكاتب على نسبة من النسخ المباعة فى المعارض؟الأصل أن المؤلف يحصل على نسبته وفق السعر الأساسى المتفق عليه للكتاب، وليس وفق سعر البيع داخل المعارض، فالمعارض تفرض على الناشر تكاليف كبيرة، تشمل إيجارات الأجنحة، والشحن، والسفر، والإقامة، ومصروفات الموظفين، وبالتالى لا يمكن احتساب نسبة المؤلف على سعر المعرض لأنه لم يشارك فى تلك التكاليف، والأمر نفسه ينطبق على التوزيع الخارجي، فالموزع فى أى دولة أخرى يعيد تسعير الكتاب بما يتناسب مع ظروف السوق والتكاليف المحلية.
كيف يتم احتساب الخصومات والعروض؟تختلف سياسة الخصومات من دار نشر إلى أخرى، فهناك دور تمنح خصومات بنسبة 20% للمكتبات، بينما تصل النسبة لدى دور أخرى إلى 30 أو 40%، كما تمنح بعض دور النشر خصومات خاصة للمؤلف إذا أراد شراء نسخ إضافية من كتابه.
هل توجد برامج أو أنظمة إلكترونية لحساب المبيعات؟بالتأكيد، فدور النشر المحترفة تعتمد اليوم على التكنولوجيا بشكل كبير، خاصة مع التطورات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وجميع عمليات الطباعة والمبيعات والتوزيع تكون مسجلة إلكترونيًا، بحيث يمكن معرفة عدد النسخ المطبوعة والمباعة وأماكن توزيعها فى أى وقت، وفى بعض الأحيان يطلب المؤلف كشفًا تفصيليًا، فنقدم له خريطة توزيع كاملة لكتابه.
المشكلة الحقيقية تكمن فى بعض الكيانات التى تطلق على نفسها دور نشر ولكن فى الحقيقة هى «دور نشر تحت بير السلم»، وهى بعيدة تمامًا عن المهنية، ولا تمتلك نظمًا واضحة، وتستغل رغبة الشباب فى النشر بأى وسيلة.
هل يملك الكاتب وسيلة فعلية لمعرفة عدد النسخ المطبوعة؟هذه المسألة ترتبط فى الأساس بضمير الناشر، فقد ينص العقد على طباعة 1000 نسخة، ثم يقوم ناشر غير أمين بطباعة عدد أكبر دون إبلاغ المؤلف، لكن إذا نشأ خلاف، فمن حق المؤلف مراجعة إيصالات المطابع وكشوف التسليم والمخزون، وفى أحيان كثيرة تظهر الفروق من خلال اختلاف نوع الورق أو جودة الغلاف أو الألوان بين الطبعات.
هل توجد رقابة قانونية على أعداد الطبعات؟لا توجد رقابة قانونية مباشرة، فالأمر يعتمد بشكل أساسى على العقد والاتفاق بين الطرفين.
هل يحصل الكاتب على تقرير بعد انتهاء المعرض؟نعم، يمكن للمؤلف أن يطلب كشفًا بمبيعات كتابه خلال فترة المعرض أو المعارض الدولية.
هل تختلف نسبة الأرباح فى المعرض عن المكتبات؟فى الحقيقة، أصبحت المعارض فى السنوات الأخيرة مرتفعة التكلفة للغاية، ولم تعد تحقق أرباحًا كبيرة كما يظن البعض، فأسعار الأجنحة والشحن والطيران والإقامة ارتفعت بصورة ملحوظة، ولذلك أصبحت المعارض بالنسبة لكثير من الناشرين وسيلة لتحويل الكتب الموجودة إلى سيولة نقدية تساعدهم على الاستمرار، أكثر من كونها مصدرًا لأرباح ضخمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك