في كل مرة أدخل فيها مركز الابداع بدار الأوبرا المصرية لمشاهدة عرض مسرحي بقيادة المخرج العظيم خالد جلال، أشعر أننى على موعد مع حالة فنية خاصة، لها روحها وبصمتها، حالة تزداد نضجًا وعمقًا.
على مدار24 عاما قد خلالهم خالد جلال مجموعة مميزة من العروض والنجوم يتجدد الإحساس بالدهشة، ويكبر الإبهار بمخرج استطاع أن يخلق عالمًا مختلفًا من الفن الحقيقي؛ فن يراهن على الوعي، ويقف بثبات أمام كل ما نشهده أحيانًا من تراجع في الذوق العام.
عالم لا يعتمد على الإبهار الزائف، بل على الموهبة الصادقة، والتدريب الحقيقي، والإيمان بأن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون قوة ناعمة مؤثرة.
اعتاد خالد جلال ان يفتتح العروض بلوحة فنية مبهرة، تكشف منذ اللحظة الأولى عن طاقات استثنائية لدى فريق العمل، وقدرة على الانسجام والتناغم تعكس جهدًا كبيرًا خلف الكواليس وفى هذه اللوحة نجد كل عناصر الإبهار الفنى، تمثيل مختلط بالغناء والشعر والاستعراض، ثم تأتى تقديمة خالد جلال للعرض، وفى كل مرة تكون التقديمة مفتاحًا لفهم الحالة الفنية للعرض وربما لتجربة مركزة الابداع كلها.
خالد جلال فى آخر عرض حضرته له وهو عرض حواديت لخص الحكاية في عبارة يمكن اعتبارها عنوانًا لهذه الرحلة: الإيمان بالحلم.
حكى كيف كان مركز الإبداع، قبل ٢٤ عامًا، مجرد مخزن مهمل، لكنه رأى وسط هذا الركام ملامح حلم يستحق المحاولة.
لم يكن الطريق سهلًا، لكن الإيمان بالفكرة، والدعم الذي وجده من الوزير الأسبق فاروق حسني، ساهما في تحويل هذا المكان إلى منارة فنية حقيقية، ومصنع خرّج أجيالًا من النجوم الذين أصبحوا اليوم علامات بارزة في الساحة الفنية.
عروض خالد جلال ليست مجرد عروضا مسرحية منفصلة بل هي امتداد لهذا المشروع وإيماناً بهذا الحلم، وتجسيد حي لفكر يؤمن بأن الفن يمكن أن يكون أداة لبناء الإنسان، لا مجرد وسيلة للترفيه.
عرض يحمل طاقة شبابية صادقة، ويؤكد أن مصر لا تزال مليئة بالمواهب الحقيقية، التي تحتاج فقط إلى من يراها ويؤمن بها ويمنحها الفرصة، وربما هذا ما دفع الدولة ان توفر له كافة الإمكانيات ليقود مشروعا في زمن تتعدد فيه التحديات، وتتنافس فيه الكثير من الأعمال على جذب الانتباه بطرق سهلة وسريعة، يظل ما يقدمه خالد جلال تجربة مختلفة، تعيد التذكير بقيمة الفن الحقيقي.
تجربة تقول ببساطة، ولكن بثقة: إن الحلم حين يجد من يؤمن به، يمكن أن يتحول إلى واقع، وأن «الحواديت» الصادقة قادرة دائمًا على أن تبقى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك