بعد سنوات من النزوح، رجع عدد من أهالي بلدة كنسبّا في شمال اللاذقية غربي سورية إليها، وذلك في مشهد يعكس عودة الحياة بعد الحرب الطويلة.
وللمرّة الأولى منذ 13 عاماً، راح هؤلاء يتجوّلون في شوارع البلدة وأحيائها المدمّرة بمعظمها، علماً أنّها ظلّت مهجورةً لسنوات وكانت مسرحاً للقصف والتدمير.
وفي ما يشبه الاحتفال، استقبل سكان كنسبّا العائدين الذين قُدّر عددهم بنحو ألف شخص، بالأهازيج الشعبية وتوزيع الحلوى، في حين اجتمع أبناء المنطقة في ساحة البلدة للتعبير عن فرحتهم بعودة جيرانهم وأقاربهم.
وفي خلال سنوات الحرب، شهدت البلدة ومحيطها معارك عنيفة تسبّبت في أضرار واسعة في المنازل والبنية التحتية.
لكن مع تحسّن الأوضاع وعودة بعض الخدمات الأساسية في الأشهر الماضية، من بينها إعادة فتح المركز الصحي في البلدة، بدأت عائلات تفكّر في العودة إلى كنسبّا والاستقرار مجدداً فيها.
لا يخفي إلياس آغا، أحد العائدين إلى البلدة، أنّه يكاد لا يصدّق عودته، التي وصفها بأنّها" حلم جميل".
يضيف لـ" العربي الجديد": " على الرغم من أنّ منزلنا في حاجة إلى ترميم كبير، فإنّ عودتنا هي البداية لإعادة الحياة إلى بلدتنا من جديد"، مؤكداً أنّ" هذه أرضنا، ومن الصعب أن يبقى الإنسان بعيداً عن المكان الذي يحمل ذكرياته".
ويلفت آغا إلى أنّ ثمّة عائلات ما زالت متردّدة بشأن العودة، بسبب الأوضاع المعيشية وصعوبة تأمين تكاليف ترميم المنازل"، ويتابع أنّه" في الوقت ذاته، قد تشجّع عودة عائلات مزيداً من الأهالي لاتّخاذ خطوة مماثلة في الفترة المقبلة".
وترافقت العودة مع زيارة رعائية أجراها مطران اللاذقية وتوابعها للروم الأرثوذكس أثناسيوس فهد، بحضور شخصيات دينية واجتماعية وأهالٍ من القرى المجاورة.
وفي كنيسة مار إلياس بالبلدة، ارتفعت الصلوات بالتزامن مع أذان الظهر من المسجد المجاور، في مشهد استحضره السكان بوصفه صورة عن الحياة التي عرفتها كنسبّا قبل سنوات النزوح.
من جهتها، تتحدّث راميا، من العائدات إلى كنسبّا، عن صدمتها أمام الدمار التي تعرّضت له بلدتها، مشيرةً إلى أنّ هذه" زيارتي الأولى منذ 14 عاماً"، مضيفةً أنّها تستعدّ مع عائلتها الموجودة في مدينة اللاذقية لترميم المنزل والعودة من جديد.
وإذ تشير راميا بحديثها لـ" العربي الجديد" إلى أنّ" البلدة ما زالت في حاجة إلى جهود كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية فيها"، تؤكد أن" وجود السكان في منازلهم يمنحهم شعوراً بالأمل بعد سنوات طويلة من الغياب".
وكانت محافظة اللاذقية قد أعلنت أخيراً إعادة تأهيل مركز كنسبّا الصحي، والبدء بعمليات ترميم، بالتزامن مع الجهود التي يبذلها الدفاع المدني السوري لإزالة الأنقاض من البلدة وفتح الطرقات.
وتقع كنسبّا على بعد نحو 35 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة اللاذقية، وكان عدد سكانها يُقدَّر قبل الحرب بنحو 10 آلاف نسمة من المسلمين والمسيحيين.
وقد عُرفت البلدة بطابعها الزراعي وبالتنوّع الاجتماعي الذي ميّزها لعقود طويلة، قبل أن تدفع الحرب سكانها بمعظمهم إلى النزوح في داخل سورية أو اللجوء إلى خارج البلاد.
ووفقاً لتقديرات محلية، فقد تعرّض نحو 80% من مباني كنسبّا لدرجات متفاوتة من الأضرار في خلال سنوات الحرب، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار تحدياً رئيسياً أمام العائدين إليها.
ويعود هؤلاء في وقت تشهد فيه بلدات أخرى في ريفَي اللاذقية وإدلب عودة تدريجية لسكانها، من بينها الغسانية والقنية واليعقوبية والجديدة في منطقة جسر الشغور، بعد أكثر من 13 عاماً من النزوح، في مؤشّر إلى رغبة كثيرين من السوريين في العودة إلى مناطقهم الأصلية عندما تتوفّر الظروف المناسبة لذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك