تتعدد السجون ومواقع الاحتجاز والمخابئ التي كانت وما زالت تستغلها قوات" الدعم السريع" كمعتقلات تحتجز فيها آلاف المدنيين والأسرى العسكريين عند انسحابها من بعض المناطق.
بعض تلك المعتقلات داخل مباني مستشفيات وجامعات ومنازل سكنية، تديرها شعبة الاستخبارات بـ" الدعم السريع" كمقار سرية للاحتجاز في المناطق، التي ما زالت تسيطر عليها، وكانت قد اصطحبت معها مجموعات من المعتقلين إلى سجون دارفور عند انسحابها من بعض الخرطوم والجزيرة.
فأين سجون ومعتقلات" الدعم السريع"؟ وكيف تُدار؟ وكم عدد المحتجزين داخلها وما مصيرهم؟إضافة إلى استغلالها مقار السجون الرسمية داخل المناطق التي سيطرت عليها، فإن أي مكان أو مبنى أو منشأة خاصة أو رسمية يمكن أن تُتخذ مركزاً للاحتجاز والاعتقال، غير أن من أبرز المعتقلات التابعة لـ" الدعم السريع" في العاصمة الخرطوم كان سجن" سوبا" جنوب شرقي الخرطوم، الذي حولته إلى أكبر مركز احتجاز لآلاف المدنيين والعسكريين قبل استعادة الجيش السيطرة على العاصمة، لتنقل كثراً منهم إلى سجون إقليم دارفور، وأهمها سجن" شالا" داخل الفاشر شمال دارفور، و" دقريس" و" كوبر" في مدينة نيالا جنوب دارفور، إضافة إلى مراكز ومواقع احتجاز عدة أخرى فرعية، بعضها سري في مناطق داخل المدينتين إلى جانب" الجنينة" غرب دارفور و" زالنجي" وسطها.
بحسب شبكة أطباء السودان، تضم مراكز الاحتجاز بدارفور وحدها ما يقارب 19 ألف معتقل، بينما تحتجز مئات النساء بعضهن برفقة أطفالهن في سجن" كوريا" بمدينة نيالا نفسها.
وجرى نقل بعض المعتقلين من سجن" شالا" إلى منازل ومراكز اعتقال أخرى داخل المدينة بغرض التضليل، ناهيك بوجود مراكز سرية وبديلة داخل منازل ومقار شركات، ومواقع عسكرية كانت تسيطر عليها في الخرطوم والجزيرة قبل أن تنتقل إلى مدن دارفور، وكلها لا تخضع لأي إشراف قضائي أو قانوني من الدولة.
وتقع تلك المعتقلات تحت الإشراف المباشر لدائرة الاستخبارات في قوات" الدعم السريع"، وتُدار عبر محققين تابعين لها وفق تقديرات القادة الميدانيين.
وفق أحدث تقارير مجموعة" محامو الطوارئ" الحقوقية في السودان، تواصل قوات" الدعم السريع" شن حملات اعتقال عشوائية واسعة من دون أي أوامر قضائية أو إجراءات تحقيق قانونية طاولت عشرات المدنيين في مناطق سيطرتها، وآخرها داخل مدينة غبيش بولاية غرب كردفان، نتيجة الاشتباه في حيازة وسائل اتصال، وتوجيه تهم التخابر مع الجيش وتمرير إحداثيات المواقع العسكرية.
أشارت المجموعة إلى" تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الجسيمة داخل مراكز الاحتجاز والمعتقلات التابعة لتلك القوات، أبرزها التدهور الحاد في الأوضاع الصحية للمحتجزين، وتسجيل حالات وفاة موثقة بين الأسرى والمدنيين نتيجة الجوع الشديد، والحرمان من الرعاية الطبية، وسوء المعاملة المفرط، فضلاً عن مواجهة المحتجزين خطراً مضاعفاً نتيجة وقوع المعتقلات في مناطق عمليات عسكرية نشطة وعرضة للقصف الجوي".
بحسب لجان المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور، فإن قوات" الدعم السريع" احتجزت أثناء دخولها مدينة الفاشر شمال دارفور في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 نحو 9 آلاف مدني، في مبنى سجن" شالا" القومي بتهمة الاستنفار مع الجيش في ظروف قاسية، مما أدى إلى وفاة أكثر من 300 معتقل بسبب الإهمال الطبي، وسط مساومات بطلب فدى مالية من ذويهم من أجل الإفراج عنهم.
وتؤكد لجان المقاومة أن مجموعات كبيرة من المدنيين احتجزوا داخل منازل ومباني مؤسسات، وتحولت مدارس ومستشفيات إلى معتقلات، كما حدث في مستشفى الأطفال شرق الفاشر الذي تحول إلى سجن يضم نحو 2000 محتجز، بينهم العشرات من الكوادر الطبية والموظفين وقيادات أهلية وأساتذة في مراحل التعليم المختلفة.
بعد سقوط الفاشر، اجتذب سجن" دقريس" بمدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور الأنظار بسرعة بسبب الحديث المخيف الذي يدور حول ما يجري بداخله كمسرح لكارثة إنسانية تتجاوز حدود الوصف، إذ عمدت" الدعم السريع" إلى نقل عدد كبير من المحتجزين لديها من معظم المناطق التي تسيطر عليها وبخاصة عقب دخولها مدينة الفاشر إلى هذا السجن، وبدأت تتكشف الانتهاكات والفظائع التي تحدث بين جدرانه المهترئة.
وفق الناشط" ع.
ب.
ك"، تحول سجن" دقريس" إلى مسلخ بشري يضم أكثر من 21 ألف محتجز من المدنيين والعسكريين والإعلاميين ومسؤولين السابقين بدارفور، أي ما يفوق ثلاثة أضعاف طاقته الاستيعابية الإنشائية المحددة بـ7 آلاف نزيل.
تعد مدينة الخير الإصلاحية، أو ما بات يعرف بـ" سجن دقريس"، أحد أسوأ معتقلات" الدعم السريع" في إقليم دارفور، على بعد 25 كيلومتراً غرب مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور، واكتسب اسمه من بلدة دقريس المجاورة.
يحتوي كل قسم بالسجن على 24 زنزانة، بمساحة (1×2) متر كل واحدة مخصصة لاحتجاز شخص واحد، لكن قوات" الدعم السريع" تتعمد الزج بخمسة أشخاص داخلها.
من سخرية الأقدار وفق الناشط، أن هناك لجنة خاصة داخل السجن تعرف بـ" لجنة دفن الموتى" برئاسة المساعد أبو حلا، والتي أصبحت مهامها جزءاً لا يتجزأ من المشهد اليومي، بعدما ضاق جوار السجن بقبور الضحايا وتمددت داخل مزارع المواطنين.
في ظل هذه المأساة، وجه الناشط والقيادي الأهلي أيمن شرارة نداء استغاثة عاجلاً للمنظمات الدولية والهيئات الحقوقية للتدخل الفوري وإجراء تحقيق مستقل.
وحذر شرارة من أن استمرار هذا الوضع يمثل تهديداً مباشراً لأرواح آلاف المحتجزين، وترتب هذه المأساة مسؤولية أخلاقية وقانونية على عاتق كل من يملك سلطة أو مسؤولية في هذا الملف، منوهاً إلى أنه مع كل يوم يمر تتضاءل فرص النجاة لمن هم بالداخل، وتطول قائمة الضحايا، ومن ثم بات لزاماً سرعة التدخل لكسر التعتيم على هذا الموقع البشع، وإجراء تحقيق مستقل لإنقاذ ما يمكن من أرواح الأبرياء قبل فوات الأوان.
وثقت تقارير لمنظمات أممية وحقوقية مثل" العفو الدولية" و" هيومان رايتس ووتش"، حتى العام الحالي 2026، احتجاز الآلاف المدنيين والناشطين المحتجزين وأسرى الحرب العسكريين في ظروف تتسم بالاحتجاز خارج القانون تحت بند الإخفاء القسري، من دون توجيه أي تهم رسمية لهم أو حتى عرضهم على جهات قضائية أو عدلية، مع حرمانهم من أبسط حقوقهم الأساس في التواصل مع عائلاتهم أو الحصول على تمثيل قانوني.
يعيش المحتجزون، بحسب التقارير، في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة، باحتجاز مئات الأشخاص في غرف ضيقة تفتقر إلى التهوية مع الاكتظاظ الشديد، في ظل معاملة قاسية والتعرض للتعذيب والعمل الشاق بإجبارهم على دفن رفاقهم الموتى، ناهيك بنقص حاد في الغذاء والماء الصالح للشرب والرعاية الصحية، مما أدى لتفشي أمراض مثل الكوليرا وسقوط مئات الوفيات وسط المحتجزين في سجني" شالا" و" دقريس".
وصفت التقارير الأوضاع الداخلية في السجون بأنها" كارثية"، وتجسد التعذيب الممنهج واستخدام التجويع كوسيلة للعقاب واعتماد أساليب الترهيب الجسدي والنفسي العنيف أثناء الاستجواب، بدرجة تصل في بعض الأحيان إلى حد التصفية الجسدية أو الموت تحت التعذيب.
في السياق، يوضح المحامي والمستشار القانوني عبدالعزيز سام أن معتقلات ومراكز الاعتقال التي تستخدمها" الدعم السريع" لا تنطبق عليها شروط ومعايير السجون في كل الأحوال، فهي من وجهة نظره" أفران ومسالخ بشرية"، كذلك أن المحتجزين بداخلها ليسوا معتقلين أو سجناء محكومين ومدانين بموجب قانون ومحاكم وقضاء، لذلك فهم في رأيه مختطفون.
يشير سام إلى أن" ميليشيات الدعم السريع" لا تملك شرطة سجون متخصصة أو قانوناً أو نظاماً قانونياً، وتستخدم كل ما يقع على عينها من مواقع كمراكز للاحتجاز، مثل الحاويات الحديدية معدومة النوافذ والتهوية واستخدام البدرون (أسفل المباني) والحفر كنقاط للاحتجاز، وهي في الواقع نقاط للموت المحتم.
يستطرد" لا يتمتع المختطفون بالحد الأدنى من المعايير الإنسانية، سواء بالسماح لهم بتبليغ أهلهم أو توفير الغذاء أو الماء أو الدواء ولا يعرضون للتحقيق أو محاكمات، بل يظلون داخل هذه المعتقلات إلى أجل غير مسمى، ربما حتى الموت.
وقد يكون الأمل الوحيد للنجاة هو حصول بعض المحظوظين على مساومة بفدية مالية طائلة للإفراج عنهم".
يعبر المستشار القانوني عن أسفه بأن الموت داخل معتقلات" الدعم السريع" أصبح شيئاً عادياً لا يُكترث له، فضلاً عن تفشي التعذيب والتجويع والإذلال والإهانة.
لذلك" لا يمكن تسميتها قانوناً سجوناً أو معتقلات، بل هي مسالخ بشرية انتقامية بداخلها أشخاص مخطوفون ومخفيون قسرياً".
من زاوية أخرى، يرى المتخصص في مجال القانون الدولي عبدالرحمن نور الله أن معتقلات" الدعم السريع" لا تعد سجوناً بالمعنى الرسمي، كونها لا تستند إلى أي قانون محلي أو دولي ولا سلطة قضائية معترف بها.
لكن التكييف القانوني الأقرب لتلك المعتقلات هو أنها أماكن احتجاز تديرها جماعة مسلحة في سياق نزاع مسلح غير دولي، بالتالي تنطبق هنا أحكام المادة الثالثة المشتركة لاتفاقات جنيف والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني على قوات" الدعم السريع"، بغض النظر عن الاعتراف السياسي بها.
ويرى نورالله أن القانون لا يمنح مثل تلك الجماعات المسلحة أي صفة لإنشاء سجون رسمية كالتي تملكها الدولة، لكن القانون الدولي الإنساني يفترض أنه وبحكم الأمر الواقع قد تحتجز الجماعات المسلحة أشخاصاً، لذلك وضع القواعد اللازمة لكيفية معاملتهم في مثل هذه الظروف، بمعنى أن وجود أماكن للاحتجاز ليس محظوراً تلقائياً بحد ذاته وفق القانون الدولي الإنساني، لكنه يخضع لشروط صارمة تتعلق بالمعاملة الإنسانية والضمانات الأساس.
يردف" في كل الأحوال تصبح هذه المعتقلات غير مشروعة وقد تصنف كجرائم حرب يتحمل المسؤولية الجنائية فيها القادة والضباط والمشرفون على إدارتها، إذا ثبت أن الاحتجاز يكون على نحو تعسفي أو احتجاز المدنيين كرهائن للمساومة على الفدية أو التبادل، أو اقترن بانتهاكات مثل التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية".
وبحسب أحدث تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تجاوز عدد المفقودين المسجلين بسبب الحرب في السودان 11 ألف مفقود، فقد منهم نحو 8 آلاف شخص مباشرة منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023.
وأدى تصاعد وتيرة المعارك والنزوح المستمر إلى قفزة كبيرة تفوق نسبة 40 في المئة في أعداد المفقودين خلال العام الماضي وحده، بينما تشير منظمات إنسانية وأممية إلى أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء ضئيل من الأعداد الفعلية، بسبب صعوبات التواصل وتدمير شبكات الاتصالات، واكتشاف مقابر جماعية، إضافة إلى وجود مراكز احتجاز سرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك