حين نحكم على صورة إنسان، فإننا غالبًا نحكم على لحظة واحدة انتُزعت من سياق حياة كاملة لا نعرف عنها شيئًا.
نرى إبتسامة فنظن أن الحياة بخير، ونرى مكانًا جميلًا فنعتقد أن صاحب الصورة يعيش أيامًا مثالية، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.
فالصورة لا تنقل إلا جزءًا صغيرًا من الواقع، وربما تكون قد التُقطت في أصعب مرحلة يمر بها الإنسان.
وسائل التواصل الإجتماعي لا تعرض الحياة كما هي، بل تعرض لحظات مختارة بعناية؛ لا نرى ساعات القلق، ولا ليالي الأرق، ولا المعارك الصامتة التي يخوضها الناس بعيدًا عن الأعين.
ما نراه غالبًا هو أستراحة قصيرة من كل ذلك.
لذلك فإن الخروج من المنزل، أو مشاركة صورة جميلة، أو الظهور بإبتسامة صادقة، لا يعني بالضرورة أن المشكلات انتهت أو أن الهموم اختفت.
بل قد يكون مجرد محاولة للتخفف من ثقل الأيام، أو لحظة يلتقط فيها الإنسان أنفاسه ليستطيع مواصلة الطريق.
هناك اعتقاد خاطئ بأن السعادة والألم لا يجتمعان، بينما الواقع يؤكد العكس.
فكثير من الناس يبتسمون وهم يحملون أعباء ثقيلة، ويواصلون حياتهم رغم ما يمرون به من تحديات.
الإنسان لا يتوقف عن الحياة لأنه يتألم، بل يحاول أن يعيش رغم الألم.
والأجمل من ذلك أن كثيرًا من تلك اللحظات السعيدة التي نراها في الصور تكون نتيجة لوجود أشخاص محبين حولنا؛ صديق لاحظ التعب فمدّ يده، أو قريب شعر بالضيق فحاول أن يمنح لحظة دعم أو راحة.
أحيانًا تكون دعوة بسيطة أو جلسة عابرة سببًا في إعادة التوازن لشخص كان على وشك الانهيار.
المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع هذه الصور باعتبارها الحقيقة الكاملة، فنُصدر الأحكام ونتسرع في الاستنتاجات؛ نحكم على حياة كاملة من خلال لقطة واحدة، وننسى أن ما نراه لا يمثل إلا جزءًا محدودًا من القصة.
قبل أن نُكوّن رأيًا أو نكتب تعليقًا، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نعرف فعلًا ما يكفي لنحكم؟وفي أغلب الأحيان ستكون الإجابة: لا.
فالناس لا تنشر جراحها، بل تنشر ما تبقّى منها بعد الجرح؛ تنشر اللحظة التي أستطاعت فيها أن تبتسم رغم التعب، أو أن تستمتع بساعة هادئة وسط أيام مزدحمة بالضغوط.
لذلك، لا تحكم على صورة إنسان.
فأنت لا ترى حياته كاملة، بل ترى لحظة قصيرة أختار أن يشاركها مع العالم؛ وربما كانت تلك اللحظة هي الشئ الجميل الوحيد في يومٍ طويل ومُرهق.
إن إحترام ما لا نعرفه عن الآخرين، والتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، هو أحد أرقى أشكال الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك