«إطار».
كلمة أساسية في حقل الدلالة الجيو سياسية تتردد أكثر من أي وقت مضى.
فالإطار، لغة واستعمالا، يفتح بابا مبدئيا لإراحة العقول من حاجز يشتت الذهن فيمنع التقدم.
قد يقول قائل، إن ذهن ترامب مشتت، وقد نستنتج بسهولة أن أي خطوة تتبلور في ذهن مماثل مانعة فعلا للتقدم.
، لكن نظرية أخرى صالحة للتطبيق أيضا، وهي أن البحث عن «إطارات»، وسيلة لغاية، تمريرة – إذا جاز استعمال هذه الاستعارة الكروية، تنفذها الحكومات في مرمى مصالحها.
ويقدم هنا التعريف الفرنسي بالذي بات يسمى بـ»القانون الإطار»، صورة وفية للمتوخى من وراء هذه الخطوة.
الكل هنا في فرنسا يتذكر قانون الإطار الشهير الذي كان قد وضعه وزير الداخلية جاستون دوفير في عام 1956، بهدف منح المزيد من الصلاحيات لمقاطعات ما وراء البحار الفرنسية، عن طريق إنشاء مجالس حكم تابعة لنظام اقتراع موحد يهدف – حسب الرواية الرسمية للأمورـ إلى خلق مزيد من الحكم الذاتي داخل هذه الأراضي، لكن الهدف غير المعلن كان توثيق الإقرار ببقاء تلك الأراضي في منطق السيطرة المتوارثة عن النظام الكولونيالي، بحيث يعزز، بدل تطويرها، تبعية أنظمة حكم محلية للدولة المركزية تحت ذريعة ترسيخ الحكم الذاتي، بما يعزز، بل يرسم تبعية لنظام حكم الدولة الفرنسية، الذي كان يسعى حينها إلى إثبات نفسه كقوة فاعلة «لإنتاج النخب»، حسب الكاتب والرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سيدار سانغهور، عبر استنساخ نظام «المتروبول»، أي «فرنسا القارة» على مستعمراتها السابقة، بما يضمن انصهار العقول في بوتقة قابلة للتحكم التام.
وإذا عدنا إلى موضوعنا الراهن، موضوع «الاتفاق الإطاري»، الذي يعتزم ترامب توقيعه مع إيران، فينخرط ضمن منطق أوسع من الترتيبات والمصالح، التي يحاول ترامب تعميمها على المنطقة: منطق الربحية التجارية، الذي يبقي الميدان الجيوسياسي في حكم الوسيلة لا الغاية.
وهذا جديد.
الجيوسياسية جيوستراتيجية، هنا، لا جديد.
لكن الجديد أن تتحول الجيوستراتيجية إلى أداة لانتزاع الأسهم، وليس لمجرد تعزيز المواقع.
الأسهم، بكل تأكيد.
فمع ترامب، تجاوزنا ثلاث مراحل.
مرحلة النفوذ الجغرافي بإرساء الوجود التقليدي في المنطقة (القواعد العسكرية في الخليج والشركات الأمريكية العاملة في مجالات شتى ومنها النووي، والمملكة العربية السعودية مثال حي)، مرحلة النفوذ الدبلوماسي بتكريس التحالفات التقليدية (السعودية، قطر، الإمارات )، مرحلة النفوذ التجاري بتطوير المنظومة التكنولوجية عبر الصادرات، ونقل التكنولوجيا إلى المنطقة، لكن ترامب افتتح عهدا جديدا بإدراج مؤشرات الأسهم في آليات التحكم بالسياسة، عبر نقل عقلية تحقيق الأرباح التجارية إلى السياسة الدولية.
وهذا نراه جيدا عبر أداة يستعملها الرئيس الأمريكي بطريقة نافذة جدا وهي تصريحاته، والأجدر بنا أن نقول: تهديداته.
ومن طبيعة التهديد أننا لا نملك القدرة على تحديد مصيره ولا معرفة هل سينفذ أم لا.
وقد صار ترامب خبيرا في الموضوع.
ويمكن هنا التفريق بين أنواع من التهديدات: تلك التي نعرف مسبقا أنها لن تنفذ، تلك التي تحوم حولها شكوك حول تنفيذها، تلك التي تنفذ فعلا، وتلك التي تتحول إلى نقيضها تماما، مثل الانتقال من الحرب على إيران إلى خطة اتفاقيات إطار تعيد الملفات إلى مربعها الأول (النووي، أمن الملاحة، إمدادات الطاقة).
كل نقطة تسجلها إدارة ترامب شبيهة بسهم يرتفع، وكل نقطة تفقد فيها إدارة ترامب زمام التحكم شبيهة بسهم ينخفض.
وأكثر المشاهد دلالة على هذا التقصير، عجز القوة الأمريكية عن استباق إغلاق إيران لمضيق هرمز والتلويح به كسلاح مسلط على رأس المجتمع الدولي.
في الجيوسياسة، الأمر لا يختلف عن مؤشرات الأسهم، فالاتفاقيات – الإطار نفسها تدخل ضمن إطار أشمل وهو إطار الصفقات الذي يحول الوكيل العقاري إلى دبلوماسي ويجعل من الدبلوماسي مفاوضا لا يرقى إلى مستوى المفاوض العقاري.
وليس الإطار التفاوضي المتحول إلى إطار عقاري هو الوحيد الذي يحرك أسلوب ترامب المتحول نفسه إلى أسلوب عمل.
فهناك أيضا الإطار اللغوي، ذلك الذي يجعل من أداة العمل أداة للترغيب والترهيب غير مسبوقة في المعاملات.
فما تعنيف زيلينسكي الذي شهد عليه العالم بأسره، سوى غيض من فيض «مخزون» لفظي متعارف عليه لدى رجل الأعمال المفاوض الذي يمارس على أوسع نطاق أسلوب الشرطي الطيب – الشرطي الشرير (good cop, bad cop) لكن ترامب جعل من هذه الممارسة أداة استثمار مخصصة لبث التشتيت في أذهان الجميع…ما عدا ذهنه.
وهذا ما فهمته إيران جيدا.
فهي لم تتضايق من «سياسة الإطار» فحسب، بل وجدت فيها كامل المصلحة لمعرفتها أن الاستقرار على صراع منضبط خير من دبلوماسية هشة سرعان ما تنسحب منها بلدان محكومة بتداول انتخابي ديمقراطي.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك