«ضمانات تحقيق هدنة إنسانية ذات مصداقية في السودان»، هي الورقة التي مدنا بها اللواء شرطة معاش الدكتور عصام الدين عباس، الكاتب والخبير السوداني في قضايا إصلاح القطاع الأمني وبناء السلام والحوكمة، وبدأنا استعراضها في مقالنا السابق.
بيد أن مساحة النشر المتاحة حال دون استيفاء كل ما ورد فيها، لذا نستكمل عرضها في مقال اليوم.
وكملخص مختصر لما سبق، ابتدر الدكتور عصام مناقشته بتقرير أن الهدن المتفق عليها في عملية جدة، لم تفشل فقط بسبب غياب الإرادة السياسية عند الأطراف المتقاتلة وعند المجتمع الدولي، بل أيضاً نتيجة عجز هيكلي في مجالات المراقبة والأمن والتصميم التقني.
ولضمان نجاح واستدامة أي هدنة جديدة في السودان، اقترح الدكتور عصام خمسة أسس ومبادئ موجّهة، شملت البدء بممرات إنسانية محدودة ومؤقتة ثم توسيعها، مراقبين من المدنيين والمجتمعات المحلية، ضمان ملكية مشتركة من قبل الأطراف المتقاتلة، تعزيز الهدنة بالتكنولوجيا، الدعم الدولي لتنفيذ وقف إطلاق النار وإنشاء آليات المراقبة.
كما إقترح الدكتور عصام نموذجا لآليات المراقبة من ثلاثة مستويات: مستوى عسكري مشترك من أطراف النزاع والأمم المتحدة/الاتحاد الأفريقي، مستوى مدني محلي من منظمات النساء والشباب والقادة الدينيين وغرف الطوارئ، ومستوى تقني عبر الأقمار الاصطناعية…الخ.
ونواصل عرض الورقة، ونبدأ باشتراط الدكتور عصام توفر مجموعة من التدابير الأمنية الأساسية، والتي لا تقبل التفاوض بشأنها، لترجمة الهدنة إلى عمليات ميدانية آمنة، وهي:أولا، فتح ممرات إنسانية وفق مسارات محددة جغرافياً ومنزوعة التعارض، كنظام مثلاً: الأبيض – كادقلي، مع إلزام كلا الطرفين بتسليم خرائط حقول الألغام إلى طرف ثالث محايد.
ثانيا، توفير آلية أمنية محايدة من مراقبين مستقلين، غير مسلحين، تابعين للأمم المتحدة/الاتحاد الأفريقي، إلى جانب حماية مجتمعية، تقودها غرف الطوارئ، كخطوط ساخنة لإزالة التعارض.
ثالثا، دمج العمل ضد الألغام بتكوين فرق سريعة للتمشيط والاستجابة، والتوعية بمخاطر المتفجرات، مع وضع خطط إخلاء طبي لكل قافلة.
رابعا، التخفيف من هجمات الطائرات المسيّرة والغارات الجوية عبر تفعيل نظام إنذار مبكر يعتمد على مراقبين أرضيين وعلى الذكاء الاصطناعي للتحقق، والتوافق على «نوافذ إنسانية» يتم خلالها إيقاف تشغيل الطائرات المسيّرة العسكرية.
خامسا، فرض حلقات حظر إطلاق النار، وتحديدا حظر استخدام الأسلحة الثقيلة، داخل نطاق نصف قطره من 2 إلى 4 كيلومترات حول المستشفيات والأسواق ونقاط المياه.
ثم ينتقل الدكتور عصام إلى اقتراح إطار للتنفيذ التقني من ثلاث مراحل، حيث في المرحلة الأولى يتم التركيز على إنشاء ممرات إنسانية وتكثيف نقاط المراقبة في المناطق عالية الخطورة، وتحديدا دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
ثم يتم الانتقال في المرحلة الثانية إلى مناطق ما بعد النزاع ومناطق السيطرة المتناوبة، وتشمل الخرطوم والجزيرة وجبال النوبة، وفيها يتم التركيز على إعادة تشغيل البنية التحتية وإقامة شراكات محلية.
أما المرحلة الثالثة، فتركز على توفير خدمات مستدامة للنازحين داخلياً في مراكز الاستضافة في الشمال والشرق.
ولاستمرار الهدنة واستقرارها، يقترح الدكتور عصام مثبتات تقنية، منها: 1- إنشاء مركز للتنسيق المشترك يضم القوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، والوسطاء، والمجتمع المدني، وممثلين عن غرف الطوارئ.
2- تقديم حوافز قائمة على الأداء، مثل تأسيس ودعم مشاريع صغيرة يختارها المجتمع المحلي مقابل كل أسبوع لا يُسجَّل فيه أي خرق مؤكد، وهذه تُسمى «عوائد الهدنة».
3- فصل العمليات الإنسانية عن العمليات العسكرية، وعدم اختلاط القوافل أو اللوجستيات.
في المرحلة الأولى يتم التركيز على إنشاء ممرات إنسانية وتكثيف نقاط المراقبة في المناطق عالية الخطورةومن موقعه كخبير عمل قياديا لفترة طويلة في جهاز الشرطة السودانية، وكمتخصص في قضايا إصلاح القطاع الأمني وبناء السلام والحوكمة، يستكمل الدكتور عصام مساهمته القيمة متقدما بمقترحات عملية لصانعي السياسات في السودان، من بينها: 1- أهمية اعتماد نهج مرحلي قائم على الممرات، بمعنى لا ينبغي السعي إلى هدنة وطنية شاملة فوراً.
بل البدء بهدنة صغيرة وقصيرة نسبيا، والتحقق من فاعليتها ونقاط قوتها وضعفها، ثم التوسع.
2- ضرورة إضفاء الطابع الرسمي على هيكل المراقبة ثلاثي المستويات، بما يشمل مكونات عسكرية مشتركة ومدنية وتقنية.
3- إدماج المراقبين المدنيين المحليين، القيادات الأهلية والمنظمات القاعدية كغرف الطوارئ ولجان المقاومة، وتوفير الحماية لهم، بوصفهم فاعلين رسميين في الهدنة، لا متطوعين غير نظاميين 4- ربط المراقبة بالعواقب والحوافز: شفافية عامة + عوائد الهدنة + ضغط دبلوماسي.
5- التجهيز المسبق للعمل ضد الألغام واللوجستيات، بحيث يمكن تفعيل الترتيبات الأمنية في غضون أيام لا أسابيع.
ويختتم الدكتور عصام ورقته بفقرة تشكل، في اعتقادي، نقطة جوهرية ومفصلية، حيث يقول: إن السؤال الرئيسي ليس ما إذا كانت الأطراف السودانية قادرة على الاتفاق حول مبادئ إرساء وترسيخ هدنة في السودان، بل ما إذا كان الفاعلون الدوليون والإقليميون سيدعمون آلية صممت خصيصاً للتعامل مع ثقل وتعقيدات الواقع السوداني، لا لمجرد الراحة الدبلوماسية.
شكرا للدكتور عصام عباس الذي اقترح إطارا لهدنة في السودان يمزج بين الإشراف العسكري المشترك، والمراقبة المحلية بقيادة مدنية، والتكنولوجيا الموجهة، والتوسع القائم على الممرات.
ونتفق معه بأن الالتزام بكل ذلك من شأنه أن يعطي الهدنة مساراً ذا مصداقية وقابلاً للتحقق سياسياً.
أما نحن، فنقول ليس عدلا أن يختزل السودان في أزماته المزمنة، فهو أوسع وأغنى بما يختزنه من خبرات وقدرات وطنية لا تقل كفاءة وتأصيلاً عن نظيراتها العالمية؛ بل وتتفوق عليها بكونها مصقولة ومُختبرة بتفاصيل الواقع السياسي والاجتماعي السوداني المعقد.
ومن هنا، فإن أي مبادرة دولية أو إقليمية تسعى بصدق لوقف إطلاق النار وترسيخ هدنة إنسانية في السودان، مدعوة، بل ومطالبة، بأن تستصحب هذه الخبرات وتتقوى بها، بدل اجترار الحلول الجاهزة التي ولّدتها سياقات مغايرة.
فصناعة السلام في السودان لن تكتمل إلا بأبنائه، وعقولهم التي لم تحرقها الحرب بعد، وإرادتهم التي لا تنكسر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك