استعجل الرئيس جوزيف عون علناً، ورئيس حكومته نواف سلام ضمناً القبول بمضمون محضر المفاوضات في واشنطن، وما توصلت إليه وفود لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة من «اتفاقات» في 2 و3 حزيران/يونيو 2026، التي انطوت على مخاطر وتحديات وطنية ومصيرية تتطلب مزيداً من التفكير والتدقيق والتدبير، الأمر الذي يستوجب طرح خمسة أسئلة مفتاحية:السؤال الأول: هل زوّد الرئيس جوزيف عون، أو رئيس حكومته الوفدَ اللبناني المفاوض مبادئ وأسساً وشروطاً يقتضي أن ينطوي عليها أيّ مشروع تسوية سياسية وأمنية بين لبنان وإسرائيل؟ الجواب إنهما لم يفعلا.
فلماذا سارع الرئيس عون إذن إلى الإبتهاج مصارحاً الصحافيين بقوله: «إن نتائج الجولة الرابعة من المفاوضات والبيان الصادر عنها بما تضمّنه من نقاط مهمة جداً لصالح لبنان، تشكّل الفرصة الأخيرة للدخول في وقفٍ نهائي وشامل لإطلاق النار، على أن يتحمّل كل طرفٍ المسؤولية في حال عدم الجواب».
إذن لنبحث عن هذه النقاط المهمة.
السؤال الثاني: ألا يعتقد الرئيس جوزيف عون ورئيس حكومته، أن مضمون محضر الإجتماعات الصادر عن وفود لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، ينطوي على أحكام وإجراءات ذات طابع وطني ومصيري تستوجب موافقة مسبقة من مجلس الوزراء ومجلس النواب، حسب أحكام الدستور، لاسيما بشأن إقامة «مناطق تجريبية» pilot zones» وفق إرشادات الولايات المتحدة، على أن تكون تحت سيطرة الجيش اللبناني، وبمنأى عن أي قوى غير حكومية، وأن من شأن هذه الخطوة ترسيخ «التقدم نحو اتفاق سلام وأمن متكامل بين لبنان وإسرائيل»، فهل سيستحصل الرئيس عون على الموافقات المطلوبة؟السؤال الثالث: جاء في محضر الاجتماعات الصادر عن الوفود الثلاثة، «أن إسرائيل ولبنان أكّدا مجدداً أن أحداً منهما لا يكّن للآخر نيات عدائية، وأنهما ملتزمان متابعة المفاوضات المباشرة لبناء الثقة، وتسوية جميع القضايا العالقة، والعمل لإنجاز اتفاق شامل بين البلدين»، فهل يعتقد الرئيس عون فعلاً أن لا نيةَ عدائية تكّنها إسرائيل للبنان وهي التي ما انفكت تشّن عليه الحروب والاعتداءات البرية والجوية والبحرية وتحتل مناطق واسعة من أراضيه في جنوبه وشرقه؟ وهل زوّد الرئيس عون الوفد اللبناني إلى مفاوضات واشنطن الأخيرة، توجيهات أو تعليمات تسمح للوفد أو تدعوه إلى التباحث مع الوفد الإسرائيلي بغية التوصّل إلى إزالة العداء، وبالتالي إلى «عقد اتفاق شامل بين البلدين»؟ وهل يعتقد الرئيس عون أن صلاحياته تجيز له، أصالةً أو وكالةً، أن يفاوض إسرائيل منفرداً لإنهاء حال العداء، ولعقد اتفاقٍ شامل معها؟ وهل نسي الرئيس عون أن لبنان ما زال في حال حرب وعداء مع إسرائيل، بدليل سريان اتفاقية الهدنة بينهما منذ سنة 1949، وأن إسرائيل خرقتها مرات عدّة في سنوات 1978 و 1982 و1984 و2006 وما زالت تفعل ذلك مراراً وتكراراً، ولاسيما بعد حربها سنة 2014 وصدور قرار مجلس الأمن الدولي 1701، وأنها تشّن علينا حروباً متتالية، وصولاً إلى حربها الحاليّة التي استهدفت بغاراتها الجوية كل أنحاء لبنان، وصولاً إلى الهرمل في أقصى شماله، ناهيك من احتلالها قرى وتلالاً في جنوب لبنان من الناقورة غرباً إلى شبعا شرقاً؟ فهل نسي الرئيس عون أو تناسى أن ثمة قانوناً صادراً في سنة 1955 يقضي بمقاطعة إسرائيل، وأن المادة 50 من الدستور اللبناني التي تتضمن نصّ يمين الإخلاص للأمة والدستور، الذي يتوجب على رئيس الجمهورية أن يحلفه أمام البرلمان، وهو ينصّ على احترام دستور الأمة وقوانينها وحفظ استقلال الوطن وسلامة أراضيه؟ وهل ما زال في مقدور الرئيس عون في ضوء كل هذه الإجراءات والضوابط الدستورية والقانونية، العودةَ إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب للاستحصال منهما على الموافقات اللازمة؟ أم أنه صرف النظر عن كل هذه الإجراءات الدستورية والقانونية، وقرر المضي قُدُماً في تنفيذ ما انتهت إليه مفاوضات واشنطن، رغم معارضة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يصرّ على عدم الاكتفاء بقرار وقف إطلاق النار، وإلزام قوى المقاومة بتنفيذه، بل يشترط أن يكون ذلك مقروناً بإلزام إسرائيل الإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، بالتزامن مع وقفٍ شامل لإطلاق النار في كل أنحاء لبنان وعودة أهالي الجنوب النازحين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم؟السؤال الرابع: ألا يدرك الرئيسان عون وسلام، أن الإصرارعلى المضي في تنفيذ ما انتهت اليه مفاوضات واشنطن الأخيرة، رغم معارضة الرئيس بري ورفض حزب الله وقف إطلاق النار قبل انسحاب إسرائيل من أراضي لبنان المحتلة، لاسيما بعد «احتفال» إسرائيل بنتائج مفاوضات واشنطن واغتيالها ضابطين وجنديا لبنانيين قرب جسر الخردلي في جنوب لبنان، ما سيؤدي إلى تعقيد الأزمة الراهنة وتأجيج تفاعلاتها وإعادة تفعيل العوامل والنوازع الخبيثة التي تدفع البلاد إلى مهاوي فتنة أهلية جديدة؟السؤال الخامس: هل يعتقد الرئيسان عون وسلام فعلاً، أن الجنوب اللبناني، الذي كان وما زال ساحةً لحروب إسرائيل واعتداءاتها المتواصلة منذ إبرام اتفاقية الهدنة سنة 1949 وحتى الوقت الحاضر، مع كل ما رافقها وأدت إليه من تدمير وتهجير وتجريف واحتلال، أن يكون، مع ذلك، دافع أهل الجنوب إلى مقاومة العدو الإسرائيلي تنفيذاً لطلبٍ من إيران وكرمى لمصالحها، كما يزعم الانهزاميون والمترعون بحب الغرب والولاء لأمريكا؟ هل يجوز بعد كل ما فعلته إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة، باللبنانيين والفلسطينيين وإيران، وما زالت ممعنة في ذلك، أن يهاجم الرئيسان عون وسلام إيران، وكأنهما يريدان رفض وقوفها غير المشروط مع لبنان وشعبه واشتراطها، لقبول إنهاء الحرب التي تشنّها عليها أمريكا وإسرائيل معاً، تضمين وثيقة وقفها إلزاماً صارماً بإنهاء إسرائيل حربها على لبنان والانسحاب بلا إبطاء من أراضيه المحتلة؟ هل يُعقل أن يكون قصر نظر الرئيسين عون وسلام، أو أمر آخر أشد سوءا، هو الذي يعطّل بصرهما وبصيرتهما إلى هذه الدرجة المحزنة؟عجباً، ألا يُوجد بين كل هؤلاء المستشارين الذين يُصغي إليهم الرئيسان عون وسلام واحدٌ ذو ضمير حيّ وجرأة أدبية ليقوم بتذكيرهما، بأن إسرائيل التي احتلت بموجب قرار تقسيم فلسطين سنة 1947 نحو 52% من مجمل مساحتها قد تطورت وتجبّرت وتوسّعت بدافع أطماعها التلموذية، فسيطرت بالنار والقتل والتدمير والتهجير على مجمل فلسطين التاريخية وقدسها الشريف، واحتلت جنوب سوريا، بما يصل إلى نحو خُمس مساحتها الإجمالية، وتحاول حاليّاً السيطرة بالنار والتدمير والتهجير على نحو ربع مساحة لبنان الإجمالية أيضاً؟متى يعي معظم حكام العرب والمسلمين، أن مَن يسلِّم بتوسّع إسرائيل في الحاضر يستسلم لتوسّعها في المستقبل؟ وإلى متى يبقى معظم حكّام العرب والمسلمين أسرى مصالحهم وأعداء شعوبهم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك