قال أبو العلاء فيلسوفُ الشعراء:إنّ حزنا في ساعة الموت أضعافُ سرورٍ في ساعة الميلادوهذا إن كان هذا الميّتُ شخصا عاديا، ولو كان في عين ذويه “لم يُخلق مثلُه في البلاد”، فما بالك إن كان هذا الميّتُ حسيبًا -أي ذا أفعال حميدة- أو نسيبًا أي سليل أسرة مجيدة- فيتضاعفُ الحزنُ والألم.
هذا ما أحسستُه في نفسي، وما رأيتُه في أعين الناس وفي سحناتهم، وما سمعتُه من ألسنتهم في يوم الأحد الماضي (1/6/2026) وأنا أحضر جنازة الأستاذ، العبد الصالح، سي حاج محند محند طيّب في مدينة تيزي وزو، الذي فاضت روحُه في اليوم الذي قبله… وقد رأى النورَ في سنة 1934.
عرفتُ الأخ محند طيب في عام 1987، إذ جمعتنا دارُ الغربة و”دارُ الغربة مِحكٌّ للرجال” كما يقول سي محند طيّب في كتابه “ذكريات مثيرة…” ص 96.
كان ضعيف البنية، قويَّ الشخصية، أمّارًا بالخير بالمعروف، نهّاءً عن المنكر بالمعروف، خفيضَ الصوت، حسنَ السمت، تألفه قبل أن يتكلّم، فإذا تكلّم ازداد ائتلافا… سامي الهمّة، قرآني النفس، معتزا بالله، غير مغترٍّ بجاه، يقول التي هي أحسن إلا مع الذين يبغون في الأرض بغير الحق ويمشون مرحًا، فيضعهم في أحجامهم.
التقينا في فرنسا حيث كان يقوّم ألسنة بني جلدتنا في إطار البعثة التعليمية الجزائرية، وكنتُ مذكِّرًا لهم بدينهم، إذ كنتُ منتدَبًا لمسجد باريس في عهد العالم الجليل الشيخ العباس ابن الحسين، ومنذ ذلك التاريخ لم تنقطع صلتُنا.
كان سي الحاج محند طيّب كاسمه؛ فهو “محند” –أي محمد- أي محمود الصفات والشمائل، وهو طيّبُ الأخلاق، نِعمَ السفير لبلده، نِعم الممثل لدينه القويم… ولعل هذا من أثر تربية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، إذ كان طالبًا في معهد الإمام المرتضى عبد الحميد ابن باديس، الذي التحق به في عام 1953… ثم شارك في الجهاد لتحرير البلاد من أنجس العباد، وهم الفرنسيون الظالمون.
وفي الجزائر سافرنا معا عدة مرات، ونشّطنا ندواتٍ للدعوة إلى الإسلام الدين القيّم، وإلى القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم… وكنتُ في سنواته الأخيرة كثيرَ السؤال عن أحواله الصحّية التي أوهنتها السنون.
إنّ أهمَّ ما أنجزه الأستاذ سي حاج محند طيب هو ترجمته معاني القرآن الكريم إلى اللسان الأمازيغي، وقد عانى في سبيل ذلك ما الله به عليم إلى درجة أنّه كان يبكي في “جوف الظلمات، ولكنه بكاءٌ ممتع، عذبٌ، لذيذ، ليس كغيره من أنواع البكاء”.
(ذكرياتٌ مثيرة ومواقف حتمية.
ص143).
وقد اعتمد مجمع الملك فهد بالمدينة المنوَّرة هذه الترجمة، وهو فيها رائد، وحائزٌ بالسبق تفضيلا، مستوجبٌ الثناءَ الجميل، ومن الله الأجرَ الجزيل.
اللهم أكرم عبدك الصالح سي حاج محند طيّب، وأقعده في مقعد الصدق، فقد كان من عبادك الصادقين… وعزاء لآله وصحبه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك