عندما وصل منتخب المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 في قطر، لم يكن الإنجاز مجرد مفاجأة عابرة، فالإنجاز أظهر إمكانية ظهور منتخب عربي يستطيع أن ينافس كبار اللعبة.
وبعد أربع سنوات، يدخل منتخب الأردن إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى في تاريخه وسط أمنيات بالسير على خطى المغاربة، وبقيادة مدرب مغربي كذلك هو جمال السلامي.
ولا يعتبر منتخب الأردن مرشحاً لتكرار سيناريو منتخب المغرب حرفياً، بل هو يمتلك شروط المفاجأة، إذا ما قرأ البطولة جيداً ولعب على نقاط قوته حيثما أمكن.
وشارك المغرب في مونديال قطر 2022 بمنتخب يضم أسماء معروفة في أوروبا: أشرف حكيمي، حكيم زياش، سفيان أمرابط، ياسين بونو، بينما وصل الأردن إلى البطولة بوضع مختلف، فهو منتخب صاعد، ويملك خبرة دولية أقل، ورغم ذلك، وصل الأردن إلى المونديال بعد مسار تصاعدي ملحوظ، في مقدمته بلوغ نهائي كأس آسيا 2023 وبعدها الوصول إلى نهائي كأس العرب 2025 بفريق رديف، تماماً كما وصفه الموقع الرسمي للجنة الأولمبية الدولية، الذي أشار إلى إنجازات المنتخب الأردني التصاعدية في تقرير عن تقديم المنتخب الأردني قبل العرس العالمي في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
خارج الترشيحات.
النشامى يبحثون عن المساحةلا تعتمد قوة المقارنة هنا على تشابه الأسماء أو القيمة السوقية، بل على الفكرة نفسها؛ فالنشامى يدخلون البطولة خارج دائرة الترشيحات، لكنهم يبحثون عن مساحة بين الكبار عبر التنظيم المميز والصلابة الدفاعية والروح الجماعية والقدرة على تحويل كل مباراة إلى معركة تكتيكية مغلقة؛ وهذا بالضبط ما فعله المغرب في قطر 2022.
وبحسب تقرير نشره موقع" فيفا"، أظهر المغرب حينها أن التنازل عن الاستحواذ لا يعني السلبية، بل قد يكون وسيلة للسيطرة إذا كان الفريق منظماً في كتلة متوسطة، يغلق العمق، ويدفع المنافس نحو الأطراف، ثم يهاجم بسرعة عندما يستعيد الكرة، والأردن لديه مدخل شبيه من هذه الزاوية.
الأردن ليس منتخباً يُتوقع منه السيطرة ضد الأرجنتين أو النمسا أو حتى الجزائر في المجموعة العاشرة، لكنه يمكن أن يكون خطراً إذا لعب بجدية من خلال دفاع قريب، مع مسافات قصيرة بين الخطوط وسرعة في الانتقال.
كما يمكنه استغلال قدرة النجم السريع موسى التعمري في المساحات مباشرة.
ورغم أن الأردنيين يراهنون على التعمري، ويعانون من غياب الهداف يزن النعيمات عن البطولة بسبب إصابته، لكن هذا الغياب يفرض على المدرب جمال سلامي إعادة توزيع القوة الهجومية.
بين الأسود والنشامى.
هل الفكرة متشابهة؟وتبدأ واقعية الحلم الأردني تحديداً في تشابه قريب بين المنتخبين العربييّن، فالمغرب في 2022 لم يصل بعيداً لأنه امتلك نجوماً فقط، بل لأنه أقنع نجومه بالعمل من دون كرة، والدليل ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية بعد ملحمة المغاربة في قطر، إذ أشارت إلى أن المدرب السابق للمغرب وليد الركراكي نجح في إضفاء أدوار دفاعية شاقة من نجوم بحجم حكيم زياش وسفيان بوفال، فالمهارة التي يمتلكها زياش وبوفال توضح كيف تحول المنتخب المغربي من فريق موهوب إلى كتلة يصعب كسرها وتفكيكها، وإذا أراد الأردن أن يكتب قصة خاصة به، يحتاج إلى مستوى الالتزام نفسه.
وعلى الرغم من أن تكرار تجربة المغرب حتى نصف النهائي يبدو هدفاً بعيداً جداً على الورق، ذلك لأن المغرب امتلك خبرة أوروبية أوسع، وحارساً عالمياً، وخط دفاع معتاداً على ضغط البطولات الكبرى، أما الأردن، فيخوض أول مونديال في تاريخه، ويدخل البطولة متأثراً بغيابات مهمة، بل إن إصابة عصام السميري أضافت ضربة دفاعية جديدة، بعد غياب النعيمات وأدهم القريشي بسبب الرباط الصليبي.
لذلك، فإن المقارنة العادلة لا تقول إن الأردن سيكرر نسخة المغرب، بل تدفع للتساؤل حول مدى قدرته على أن يستعير من المغرب مفاتيح المفاجأة.
وتبدو الأمور في متناول" النشامى" في المونديال التاريخي المرتقب لهم، فهم مطالبون بألا يتعاملوا مع المشاركة بوصفها رحلة شرفية، وأن يختار النشميون معاركهم داخل المجموعة بذكاء، ذلك أن مواجهة الأرجنتين، بطلة العالم، ستكون اختباراً للتماسك أكثر من كونها فرصة مفتوحة للحسابات، بينما تبدو مباراتا الجزائر والنمسا أكثر ارتباطاً بفكرة النقاط، خصوصاً أن نظام مونديال 2026 يمنح أصحاب المركز الثالث فرصة العبور إلى دور الـ32 لو كانوا بين أفضل ثمانية منتخبات تحتل هذا المركز.
ومن أهم الأدلة التي توضح كيف يمكن تكرار قصة المغرب في المونديال، هو أن المغرب لم يلعب بما يُعرف بعقدة النقص، بل تعادل مع كرواتيا، وفاز على بلجيكا، وتغلب على إسبانيا بركلات الترجيح.
ثم قهر البرتغال، فأصبح أول فريق أفريقي وعربي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم.
أما الدرس الأردني، فلا يقتصر على النتيجة، بل في طريقة إدارة التفاصيل؛ فهو إذا نجح في ألا يقبل أهدافاً مبكرة ولا يترك مساحات خالية، مع عدم الخوف من أسماء المنتخبات الكبيرة، فسيفعلها، لأن العامل النفسي قد يكون من أهم أوجه التشابه.
كما أن المغرب حوّل حضور الجماهير العربية في قطر إلى طاقة أكبر، وقد يستطيع الأردن أن يحقق شيئاً مشابهاً قريباً عبر جالياته وجماهيره العربية في أميركا الشمالية، رغم أن البيئة في أميركا الشمالية لن تكون عربية بالكامل كما كانت في قطر، لكن مشاركة الأردن ستمنح منتخب الأردن دفعة عاطفية قوية لأنه يتأهل لأول مرة للمونديال.
مباريات كأس العالم تُحسم بلقطةورغم أهمية بطولة بحجم كأس العالم، إلا أنها تشهد مراراً مباريات تحسم بلقطة واحدة، وهنا يمكن للنشامى أن يحققوا مرادهم، فمن الناحية التكتيكية، يستطيع الأردن الاستفادة من ثلاثة مفاتيح مستقاة من التجربة المغربية.
أولاً، يبدأ دفاع الأردن من المهاجم والجناحين، وليس من قلب الدفاع.
ثانياً، لا تكفي هجمة مرتدة واحدة؛ يجب أن تكون هجمة مرتدة منسقة وتستهدف هدفاً واضحاً.
ثالثاً، لا تعتبر الكرات الثابتة مجرد تفاصيل؛ يمكن أن تكون الكرات الثابتة الطريق الأسرع للأردن عندما يمتلك اللاعبون جودة فردية أعلى.
هذه النقطة الأخيرة مهمة للأردن، لأن مباريات كأس العالم تتحدد غالباً بلقطة واحدة بدلاً من نظام كامل.
ويبقى الفرق واضحاً بين المغرب 2022 والأردن 2026، إذ يملك المغرب لاعبين شاركوا في دوري الأبطال والدوريات الخمس الكبرى الأوروبية، فيما يراهن الأردن على مزيج من الخبرة الآسيوية، والروح الجماعية، وموهبة التعمري، وقيادة السلامي، ومع ذلك من الممكن أن يكتب الأردن قصته التي ستكون أقل صخباً من حيث الأسماء، والنشامى قادرون على أن يكونوا منتخب كرة قدم مزعجاً للخصوم، إذا تحول إلى منتخب يعرف حدوده جيداً، ويجعل هذه الحدود مصدر قوة لا نقطة ضعف، حيث يحتاج المنتخب الأردني إلى دخول المونديال بعقلية لا تخشى الرهبة، لا بعقلية البحث عن صور للذكرى.
المغرب أظهر أن العرب يمكنهم فتح باب المستحيل في قطر، أما المنتخب الأردني، فلديه فرصة لإثبات أن الباب العربي لا يُفتح مرة واحدة فقط، وأن حكايات العرب في كأس العالم ما زالت مستمرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك