اعتدنا" باعتزاز واضح" أن يوصف الأردن في الخارج بأنه دولة استقرار، وهذه العبارة صارت جزءا من اللغة الدبلوماسية التي تقال في كل لقاء مع الأوروبيين والأميركيين والعرب، كما في كل بيان يتحدث عن الشراكة والاعتدال والصمود في منطقة مشتعلة، والأردن بلا شك يستحق كثيرا من هذا الوصف، لأنه بقي دوما متماسكا وسط إقليم يتحرك على حافة النار، من غزة إلى الضفة، ومن سورية إلى العراق، ومن البحر الأحمر إلى احتمالات التصعيد بين إيران وإسرائيل.
اضافة اعلانلكن السؤال الذي يجب أن يطرح بهدوء هو: هل يكفي أن يرانا الخارج دولة مستقرة، إذا كان الداخل يشعر بقلق؟الصورة الأردنية كأنها صورتان متجاورتان على طرفي نقيض، في الصورة الأولى نحن أمام دولة تتحدث بثقة عن التحديث الاقتصادي، ودعم الشركات الصناعية، وإستراتيجية التصدير، والتدريب المهني، والتحول الرقمي، وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، وتشارك في مؤتمرات دولية عن مستقبل العمل والذكاء الاصطناعي، وفي الصورة الثانية، نرى أمامنا وببث مباشر مجتمعا يصحو على أخبار جرائم قتل متلاحقة، من مشاجرة مسلحة في الأشرفية، إلى طعن في دير أبي سعيد، إلى مقتل شاب في إربد، إلى جريمة حسبان داخل مركز اجتماعي خاص، حيث قتلت زوجة وموظفان قبل العثور على الجاني ميتا، هذه ليست حوادث منفصلة فقط، بل إشارات موجعة إلى ضغط اجتماعي يتسرب من الشقوق.
لا يجوز التعامل مع هذه الجرائم باعتبارها أخبارا أمنية عابرة، الأمن العام يقوم بدوره، والقضاء يأخذ مجراه، لكن المجتمع يحتاج إلى قراءة أعمق من البيان الأمني، حين تتكرر جرائم القتل خلال أيام قليلة، فهذا يعني أن هناك عنفا مكبوتا، و" زعرانا" يتحدون مفهوم الدولة وكل فكرة الأمن والأمان، وغضبا لا يجد طريقا آمنا للتصريف، وسلاحا يصل إلى لحظة الانفجار، وأسرا ومؤسسات ومجتمعات محلية تفقد أحيانا قدرتها على التدخل قبل الكارثة، الجريمة هنا لا تنفي الاستقرار، لكنها تكشف هشاشته إذا لم تقرأ الدولة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية بجدية.
في المقابل، لا يجوز بأي حال إنكار أن الدولة تتحرك في مسار التحديث الاقتصادي، وهناك حديث رسمي عن دعم عشرات الشركات الصناعية، وإعداد إستراتيجية تصدير، وتدريب مهندسين وفنيين وعاملين على تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، وتطوير الاقتصاد الدائري والرقابة على الغذاء والدواء، هذه عناوين مهمة، لكنها تبقى ناقصة ما لم تتحول إلى أثر مباشر في حياة الناس، التحديث لا يقاس بعدد الخطط والدورات والإستراتيجيات، بل بقدرته على خلق فرصة عمل، وتحسين دخل، وتسهيل خدمة، ورفع كفاءة إدارة، وربما أن يؤدي المسؤولون الرسميون عن جذب الاستثمار وتنميته دورهم بدون استعراضات عبثية.
أما الإقليم، فهو يضيف طبقة أخرى من القلق، فالأردن ليس جزيرة معزولة، والحرب في غزة تضغط على وجدانه السياسي والشعبي، والضفة الغربية تمس أمنه الديموغرافي والجغرافي، كما أن سورية ما تزال خاصرة قلقة للمخدرات والسلاح والتهريب، وأي توسع في التصعيد الإقليمي سيدفع الأردن كلفته قبل غيره، لذلك تبدو السياسة الخارجية الأردنية منشغلة دائما بفكرة التهدئة، لا لأنها لغة دبلوماسية مملة، بل لأنها ضرورة وجودية.
نتفق أن الأردن قوي لأنه بقي متماسكا في محيط لم يرحم أحدا، لكنه لن يبقى قويا بالسردية وحدها، ولا بالمديح الخارجي وحده، ولا بالخطط الجميلة وحدها، وقوته المقبلة ستقاس بقدرته على تحويل الاستقرار من عنوان سياسي إلى تجربة معيشة، وتحويل التحديث الاقتصادي من لغة مؤتمرات إلى نتائج ملموسة، وتحويل القلق الاجتماعي من مادة للدهشة المؤقتة إلى جرس إنذار لإصلاح إداري واجتماعي لا يحتمل التأجيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك