الرياض: شهدت السنوات الأربع الماضية تحولًا جذريًا في خريطة كرة القدم العالمية تقوده المملكة العربية السعودية، والتي بدأت طموحاتها الكروية بانتصار تاريخي ومفاجئ على منتخب الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي في مونديال قطر، ليكون هذا الفوز بمثابة نقطة الانطلاق لحملة استثمارية ضخمة غيرت مفاهيم اللعبة الشعبية الأولى في العالم.
ولم تكد تمر أسابيع قليلة على ذلك الانتصار حتى نجحت السعودية في إبرام صفقة القرن بالتعاقد مع الأسطورة البرتغالي كريستيانو رونالدو، الحائز على جائزة الكرة الذهبية 5 مرات، والذي أعلن حينها انتهاء مهمته في أوروبا وبدء تحد جديد، وتوالت بعده الصفقات الكبرى بجذب الفرنسي كريم بن زيمة من ريال مدريد، والنجم البرازيلي نيمار دا سيلفا، ورغم عدم نجاح محاولات ضم الأرجنتيني ليونيل ميسي والفرنسي كيليان مبابي، حققت المملكة الانتصار الأكبر بالحصول على حق استضافة نهائيات كأس العالم 2034.
وتأتي هذه الخطوات الرياضية المتسارعة ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع مصادر الدخل القومي والابتعاد عن الاعتماد الكلي على النفط عبر الاستثمار في قطاعات حيوية جديدة، كما أن الإنفاق طال رياضات أخرى بارزة مثل ملاكمة المحترفين وسباقات سيارات فورمولا- 1 والتنس، بالإضافة إلى دعم جولة الغولف التي تقرر مؤخرًا سحب التمويل منها مع الإبقاء على الدعم الكامل والالتزام المطلق بتطوير قطاع كرة القدم الذي تحظى أبرز أنديته بملكية مباشرة من صندوق الاستثمارات العامة.
ويمثل مونديال 2026 المحك الحقيقي والاختبار الأول لمعرفة مدى انعكاس هذا الإنفاق الهائل على تطور مستوى المنتخب السعودي، حيث قال المدير الفني الجديد للأخضر، اليوناني جيورجيوس دونيس: “لا يمكننا إطلاق وعود بتحقيق المعجزات ولكننا نعدكم ببذل كل ما لدينا من جهد لتحقيق أهدافنا”، إذ لا يعني تدفق النجوم الأجانب بالضرورة تحسنًا تلقائيًا للاعبين المحليين على الصعيد الدولي، وهو ما ظهر جليًا في الخروج المبكر المحبط من دور الـ16 لبطولة كأس آسيا 2024، والتي شهدت مغادرة المدرب الإيطالي روبرتو مانشيني للملعب قبل نهاية ركلات الترجيح أمام كوريا الجنوبية وهي الأزمة التي أطاحت به من منصبه بعد أشهر قليلة.
وعاد الفرنسي هيرفي رينار لقيادة الأخضر ونجح في تأمين التأهل للمونديال، لكنه غادر منصبه في شهر أبريل/نيسان الماضي قبل أقل من شهرين على انطلاق كأس العالم ليحل بديلًا عنه دونيس، وتراهن إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم على معرفة المدرب اليوناني العميقة بالكرة المحلية نظرا لتدريبه لعدة أندية سعودية وإشرافه السابق على مجموعة من اللاعبين المتواجدين في القائمة الحالية للمونديال، ومنهم المهاجم فراس البريكان المتوج بلقب دوري أبطال آسيا مرتين متتاليتين مع النادي الأهلي، حيث أكد الاتحاد أن هذا التعيين يهدف إلى “دعم مرحلة انتقال سلسة” للفريق.
وأكد دونيس: “الميزة الكبرى بالنسبة لنا هي قضائي سنوات طويلة في السعودية ومعرفتي التامة بثقافة البلد واللاعبين ولذلك نريد أن نكون منافسين بشراسة ونقاتل بقوة في الملعب”.
وفي المقابل، ومع تباطؤ وتيرة التعاقدات العالمية ومغادرة بعض النجوم مثل نيمار دا سيلفا، اتجهت البوصلة نحو الاستثمار الصارم في المواهب المحلية، حيث تم التعاقد في شهر مايو/أيار الماضي مع الأخصائي البريطاني مات كروكر، المدير الرياضي السابق للاتحاد الأمريكي لكرة القدم، ليتولى الإشراف على تطوير المواهب الناشئة، وتضاعف الإنفاق على قطاع الشباب خلال السنوات الثلاث الماضية ليصل إلى 7ر26 مليون دولار مع التوسع في مراكز التدريب الإقليمية لوضع النواة الأساسية لمونديال 2034.
ويبقى التركيز الآن منصبًا على النسخة الحالية من كأس العالم 2026 وفرصة صدمة العالم مجددًا، حيث اختتم دونيس حديثه بالقول: “أؤمن تمامًا بأن جميع اللاعبين يمتلكون القدرة والشغف اللازمين للالتزام بخطتنا الفنية والتي ستمكننا خطوة بخطوة من بناء فريق قوي ومتماسك وأولويتي القصوى الآن هي أن يؤمن اللاعبون بقدراتهم وأن يقتنعوا بالخطة ويعرفوا تمامًا ما هو مطلوب منهم في الملعب”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك