حين وقف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أمام البرلمان معلنا أن حصر السلاح بيد الدولة سيكون أولوية حكومته الأولى، بدا وكأنه يفتح الملف الأكثر حساسية في العراق المعاصر.
فهو لم يتحدث عن أزمة الكهرباء أو البطالة أو الفساد، بل اختار أن يبدأ من القرار الصعب الذي تبناه قبله كل رؤوساء الحكومات السابقين، لكن الامر بقي حبرا على ورق من دون إحراز تقدم على أرض الواقع.
حيث تهربت كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005 حتى الآن من السؤال الأصعب: من يملك حق استخدام القوة في العراق؟هذا السؤال لم يكن يوما قانونيا فقط، بل سياسيا وأمنيا وإقليميا في آن واحد.
فالعراق الذي خرج من حربه ضد تنظيم الدولة (داعش) بانتصار عسكري واضح، خرج أيضا بمنظومة مسلحة أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل الحرب.
عشرات الفصائل التي اكتسبت شرعية شعبية نتيجة مشاركتها في القتال ضد التنظيم الارهابي تحولت بمرور الوقت إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية مؤثرة، بعضها اندمج جزئيا في مؤسسات الدولة، وبعضها احتفظ بهياكل قيادة وقرار مستقلة، فيما بقيت فصائل أخرى تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءا من مشروع إقليمي يتجاوز الحدود العراقية.
لذلك فإن الزيدي لا يواجه مجرد ملف أمني، بل يواجه معادلة حكم تشكلت على مدى أكثر من عقدين.
ولهذا السبب تحديدا يبدو أن ما يحدث اليوم مختلف عن كل المحاولات السابقة.
فالمرة الأولى التي أعلن فيها رئيس وزراء عراقي عزمه حصر السلاح بيد الدولة لم تكن مع الزيدي، وكذلك الثانية أو الثالثة، إذ سبق أن تحدث نوري المالكي وحيدر العبادي ومصطفى الكاظمي عن الهدف نفسه، لكن شيئا جوهريا لم يتغير.
الجديد هذه المرة أن البيئة السياسية نفسها بدأت ترسل إشارات مختلفة.
أهم هذه الإشارات جاءت من مقتدى الصدر، فزعيم التيار الوطني الشيعي أعلن بشكل مفاجئ فك ارتباط «سرايا السلام» بتياره وإلحاقها بمؤسسات الدولة، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية بلا سلاح، أو مقرات أو عناوين تنظيمية.
القرار لم يكن عاديا، لأن «سرايا السلام» تمثل واحدة من أكبر القوى المسلحة المنظمة في البلاد.
لذلك اعتبر كثيرون أن خطوة الصدر وضعت بقية الفصائل أمام اختبار صعب، وأحرجت القوى التي لطالما رفعت شعار الدولة لكنها تمسكت في الوقت نفسه بسلاحها.
وقد وصف محللون الخطوة بأنها نقطة تحول استراتيجية نحو إنهاء ظاهرة النشاط المسلح خارج سلطة الدولة، فيما رأى آخرون أنها وضعت الفصائل أمام خيارين لا ثالث لهما: الاندماج بالمؤسسات الرسمية أو مواجهة ضغوط سياسية متزايدة.
الأكثر أهمية أن الصدر لم يبق وحيدا في هذا المسار.
فقد أعلنت «عصائب أهل الحق» و»كتائب الإمام علي» استعدادهما لتسليم أسلحتهما والانخراط في آليات حكومية تشرف على عملية الدمج، مع تشكيل لجان خاصة لجرد الأسلحة والمعدات والمقاتلين.
كما أكدت قيادات هذه الفصائل أن قرارها يأتي استجابة لفكرة حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة القانون.
لكن قراءة هذه التطورات باعتبارها انتصارا نهائيا للدولة ستكون متسرعة للغاية، فالمشكلة لا تكمن في البيانات السياسية بل في التنفيذ، والكل يعلم أن العراق مليء بالإعلانات التي لم تتحول إلى وقائع.
وهناك بالفعل من يشكك في جدية بعض الفصائل، ويرى أن ما يجري قد يكون إعادة تموضع أكثر منه تفكيكا حقيقيا للبنى المسلحة.
بعض المصادر السياسية العراقية تتحدث عن احتمال احتفاظ جماعات معينة بمخازن أسلحة سرية أو بشبكات نفوذ موازية، حتى بعد إعلانها القبول بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
كما أن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ ما زالت واسعة، خصوصا في ظل تعقيدات المشهد العراقي وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بهذه الفصائل.
ثم إن معسكر الرافضين لم يختفِ، فـ»حركة النجباء» و»كتائب حزب الله» لا تزالان ترفضان التخلي عن السلاح، وتربطان القضية باعتبارات تتعلق بما تسميانه السيادة الوطنية ومواجهة التهديدات الخارجية، بل إن بعض الفصائل ذهبت أبعد من ذلك حين وضعت شروطا سياسية واقتصادية وأمنية مسبقة للموافقة على أي مشروع لنزع السلاح أو إندماجه في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، من بينها إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتحقيق استقلال القرار الاقتصادي العراقي.
هنا تكمن العقدة الأساسية.
فالمشكلة ليست في عدد البنادق أو الصواريخ، بل في طبيعة الشرعية التي تستند إليها الجماعات المسلحة.
الدولة تقول إن الدستور منحها وحدها حق احتكار القوة، أما بعض الفصائل فتقول إن شرعيتها مستمدة من «المقاومة» أو من دورها في حماية البلاد خلال الحرب على تنظيم الدولة (داعش) أو من التهديدات الإقليمية المستمرة.
وبين هاتين الرؤيتين يتحرك الزيدي في حقل ألغام سياسي شديد التعقيد.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل عامل آخر بالغ الأهمية، وهو التحول الإقليمي الذي يحيط بالعراق، فالحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أعادت رسم الكثير من التوازنات.
وتشير تقديرات متعددة إلى أن النفوذ الإيراني في العراق لم ينتهِ، لكنه تعرض لتراجع نسبي سمح بظهور هامش حركة أوسع أمام حكومة بغداد.
وفي المقابل مارست واشنطن ضغوطا سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة على الحكومة العراقية، وربطت التعاون والدعم الأمريكيين بإحراز تقدم حقيقي في ملف السلاح المنفلت.
وربما لهذا السبب بالذات جاء الموقف الأخير للإطار التنسيقي مفاجئا لكثيرين.
فالتحالف الذي يضم معظم القوى الشيعية الحاكمة، أعلن بصورة واضحة أن قرار الحرب والسلم هو قرار سيادي يعود إلى الدولة وحدها، وأن أي عمل عسكري خارج هذا الإطار يمثل خروجا على القانون.
والأهم من ذلك أنه فوض رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، مع التأكيد على فك ارتباط الحشد الشعبي بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعي، لكن هل يكفي هذا الدعم السياسي لإنجاح المشروع؟ الجواب على الأرجح: لا.
فالتجربة العراقية أثبتت أن القرارات الكبرى لا تُقاس بما يقال في الاجتماعات المغلقة أو المؤتمرات الصحافية، بل بما يحدث على الأرض.
وما زالت هناك عشرات الفصائل المسلحة، وبعضها يمتلك ترسانات كبيرة وشبكات مالية وإدارية معقدة.
كما إن بعض المراقبين يحذرون من سيناريو جديد يتمثل في انتقال الأسلحة من فصائل توافق على التسليم إلى فصائل أخرى ترفض ذلك، بما يؤدي عمليا إلى تركيز القوة العسكرية في أيدي جماعات أكثر تشددا بدلا من تفكيكها.
وقد برز هذا التخوف بعد حديث «كتائب حزب الله» عن استعدادها لاستلام أو شراء بعض الأسلحة النوعية من الفصائل الأخرى.
لهذا فإن نجاح الزيدي لن يقاس بعدد البيانات المؤيدة التي يحصل عليها، بل بقدرته على تحويل مبدأ حصر السلاح إلى واقع مؤسساتي دائم.
وهذا يتطلب أكثر من الضغوط الأمريكية وأكثر من البيانات السياسية، يتطلب بناء عقد جديد بين الدولة وحاملي السلاح، يقوم على الدمج الحقيقي لا الشكلي، وعلى ضمان الحقوق والمكانة الاجتماعية للمقاتلين السابقين، وعلى إقناع القوى المسلحة بأن مستقبلها السياسي والاقتصادي سيكون أكثر استقرارا داخل الدولة لا خارجها.
في النهاية، لا يبدو أن العراق يقف أمام معركة لنزع سلاح الفصائل المسلحة بقدر ما يقف أمام معركة لإعادة تعريف الدولة نفسها.
فالسؤال الحقيقي ليس أن كانت الفصائل ستسلم أسلحتها غدا أو بعد شهر أو بعد عام، بل السؤال هو؛ هل وصلت النخب السياسية العراقية أخيرا إلى قناعة بأن بقاء مراكز قوة مسلحة متعددة لم يعد قابلا للاستمرار؟
وإذا كان الأمر كذلك، فقد يكون الزيدي محظوظا لأنه جاء في لحظة إقليمية ومحلية مختلفة عن تلك التي واجهها أسلافه.
أما إذا تحولت التعهدات الحالية إلى مجرد إعادة تموضع للفصائل تحت عناوين جديدة، فإن العراق سيكون أمام نسخة أخرى من الحلقة نفسها التي دارت فيها الحكومات المتعاقبة طوال العقدين الماضيين.
عندها لن يكون السؤال: هل نجح الزيدي في حصر السلاح بيد الدولة؟ بل لماذا فشل مرة أخرى حيث فشل الجميع من قبله؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك