لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان استخدام القوة قد ازداد بعد نهاية الحرب الباردة، بل كيف ولماذا أصبح أكثر حضوراً، وأقل خضوعاً للقيود التي سعى النظام الدولي إلى ترسيخها بعد الحرب العالمية الثانية.
فالعالم لم ينزلق إلى حروب كبرى شاملة على غرار النصف الأول من القرن الـ20، لكنه في المقابل لم يحقق الوعد الذي رافق نهاية الحرب الباردة، نظام دولي أكثر انضباطاً تحكمه قواعد واضحة ومساءلة فعالة.
في تقديري، ما حدث هو تحول نوعي في طبيعة استخدام القوة.
لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت أداة سياسية تستخدم بدرجات متفاوتة، وبصور متعددة، من التدخلات العسكرية المباشرة إلى الحروب بالوكالة، مروراً بالضربات المحدودة والعمليات السيبرانية.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو انخفاض عتبة اللجوء إلى القوة، حتى وإن ظلت كلفة الحرب الشاملة رادعاً قائماً.
هذا التحول لا يمكن فهمه دون التوقف عند لحظة ما بعد الحرب الباردة، حين انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة الدولية، مما أتاح لها، ولحلفائها أحياناً، استخدام القوة في سياقات متعددة، كما في حرب العراق.
غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً.
فمع صعود الصين واستعادة روسيا عافيتها على المسرح الدولي، وبخاصة بعد حرب أوكرانيا، أصبح العالم أكثر تعددية، لكن أيضاً أكثر سيولة، وأقل قابلية للضبط.
غير أن التأثير الأعمق لهذا التحول يظهر بوضوح في الشرق الأوسط، الذي تحول من ساحة صراع تقليدية إلى مختبر مفتوح لأنماط استخدام القوة الجديدة.
ولم تعد المنطقة تعرف توازنات مستقرة.
تفككت دول، وصعدت جماعات مسلحة، وتزايدت التدخلات الخارجية، لتصبح القوة أداة يومية في إدارة التفاعلات الإقليمية.
لم يعد بالإمكان الحديث عن" حروب بالوكالة" فحسب، نحن أمام نموذج جديد، حرب مفتوحة وتصعيد حقيقي، لكنه محسوب، وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً في قواعد اللعبة، إذ لم تعد المعايير القديمة تمنع استخدام القوة.
في هذا السياق، يمكن القول إن ازدياد استخدام القوة ترك آثاراً عميقة على خمسة معايير أساس كانت قد شكلت جوهر النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
أول هذه المعايير هو توازن القوى.
في الماضي، كان التوازن يقوم على ردع واضح بين قوى كبرى.
أما اليوم، فقد أصبح أكثر تعقيداً إذ لم يعد يقتصر على الدول، بل يشمل فاعلين غير حكوميين وشبكات نفوذ عابرة للحدود.
النتيجة هي توازن هش، قابل للاهتزاز، وأكثر عرضة للتصعيد غير المحسوب.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وثانيها هو الضوابط والتوازنات المؤسسية، فقد تراجعت قدرة المؤسسات الدولية على تنظيم استخدام القوة، سواء بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى أو بسبب تجاوز هذه المؤسسات في حالات عديدة، إذ تتم معظم العمليات العسكرية خارج أطر جماعية ملزمة، مما يضعف فكرة الرقابة الدولية.
وثالثها هو المساءلة.
صحيح أن النظام الدولي شهد تطوراً في أدوات المحاسبة القانونية، لكن تطبيقها ظل انتقائياً.
القوى الكبرى والإقليمية نادراً ما تخضع لمساءلة حقيقية عن استخدام القوة، إذ تتكرر التدخلات دون عواقب قانونية تُذكر، هذا الواقع لا يضعف فقط الثقة في النظام، بل يشجع على تكرار السلوك ذاته.
أما المعيار الرابع فهو القواعد والمعايير الحاكمة، فقد شهدت هذه القواعد تآكلاً تدريجاً، ليس من خلال إلغائها بل من خلال إعادة تفسيرها.
مفاهيم مثل" الدفاع عن النفس"، و" الضربات الاستباقية"، و" مكافحة الإرهاب" بل حتى" تغير الأنظمة" أصبحت تُستخدم لتبرير طيف واسع من العمليات العسكرية.
تحولت هذه المفاهيم إلى أدوات يومية في إدارة الصراع، مما جعل الخط الفاصل بين المشروع وغير المشروع أكثر غموضاً.
المعيار الخامس حول أساليب التسلح والخطط العسكرية، إزاء تطور التكنولوجيا وتدفقها في دول بأحجام وقوة مختلفة، بل حتى بين حكومات ومؤسسات غير حكومية لم يعتد أن تكون تلك التكنولوجيا متاحة لها، وأقرب أمثلة على ذلك الخبرات التكنولوجية في الصواريخ والمسيرات والتباين بين تكنولوجيات بالغة الدقة والعشوائية في آنٍ، خلطت أحياناً بين الأهداف العسكرية والمدنية وبين حسابات الكلفة المادية والتأثير العسكري.
وعلى رغم هذا المشهد القاتم بصورة متزايدة لا يمكن القول إن النظام الدولي انهار بالكامل، فهناك حدود لا تزال قائمة، تفرضها كلفة الحرب الشاملة، والتشابك الاقتصادي العالمي، وخصوصاً الردع المتبادل إذا توافر.
ومن أخطر وأسوأ تداعيات الاستخدام المتزايد والمفرط للقوة دون محاسبة أن الأطراف المتنازعة والمجتمع الدولي يفقدان إنسانيتهما بمعدلات متنامية، بالاستهداف المفرط للأهداف المدنية، وبالقبول المتنامي لما تسمى" الأخطار الجانبية" أثناء العمليات العسكرية والصدامات.
في رأيي، التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تقليل عدد الصراعات، وهو هدف يصعب تحقيقه في عالم متعدد الأقطاب، بل في إعادة بناء حد أدنى من التوافق حول قواعد استخدام القوة.
دون ذلك، سيستمر الانزلاق نحو نظام تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه القواعد.
بكلمات أخرى، لم تصبح القوة بديلاً عن النظام، لكنها أصبحت جزءاً من قواعده الجديدة، وهنا يكمن جوهر التحول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك