هل كان من الممكن الوصول إلى لحظة يتحدّث فيها ساسة الاحتلال الصهيوني عن الشعب الفلسطيني في الداخل باعتباره بؤرة للتطرّف والجريمة ضد المجتمع الإسرائيلي، لولا أن النظام العربي في معظمه، وما يلتف حوله من نخب سياسية وثقافية فاسدة، أقرّوا تصنيف العمليات الفدائية أعمالاً إرهابية تصدُر بشأنها بيانات الإدانة والاستنكار؟
هل كان يمكن للأوكراني الأصل وزير المالية الصهيوني، بتسلئيل سموتريتش، أن يردّد" أن هناك تفشّياً للجريمة وتصاعد للتطرّف القومي لدى العرب في إسرائيل وهو ما يشكل خطرا وجوديًا عليها"، لولا أن أشخاصًا بأسماء عربية وعقول وقلوب متصهينة، من أمثال عمرو حمزاوي وإبراهيم عيسى وغيرهما، سبقوه في اعتبار الفعل الشعبي المقاوم لجرائم العدو المحتل إرهاباً وعنفاً مجرماً ضد إسرائيل الوديعة؟
في تعليقه على العملية الفدائية التي نفذها فلسطينيان أمس داخل الخط الأخضر شمال قلقيلية بالضفة الغربية، وأسفرت عن مقتل إسرائيلي وإصابة ستةٍ آخرين، واستشهاد أحد المنفذين واعتقال الآخر، طالب زعيم المستوطنين الذي صار وزيراً لمالية الاحتلال بإعادة النظر في الوجود الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة، بما يؤشّر إلى إجراءات قد تصل إلى التطهير العرقي في الفترة المقبلة، لكي تكون أرض فلسطين المحتلة للصهاينة فقط، وذلك وسط حالة تسكّع عربي رسمي في دروب التفاوض، الذي هو أقرب إلى ملاطفة الاحتلال أكثر منه نضالاً لاسترداد الحقوق المسلوبة عن طريق الاستجداء من دونالد ترامب، كما تتجسّد في الحالة اللبنانية الراهنة، حيث تتقدم أولوية" التفاوض من أجل التفاوض" على مسألة تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي.
في الحوار الطويل للرئيس اللبناني، قائد الجيش السابق جوزاف عون مع مذيعة قناة CNN، بيانا غولدرينا، يوم الجمعة الماضي، رأينا رئيساً يقدّم نفسه أنه يقف على مسافة واحدة من المقاومة الوطنية في بلده ومن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسيطر على الجنوب اللبناتي، إذ يقول في مستهل الإجابة عن سؤال أول عن أن إسرائيل لا تحترم اتفاق وقف إطلاق النار إن" الأمر صعب، أعلم ذلك.
الطريق الوحيد بالنسبة لي، الطريق الوحيد لإنهاء هذا الصراع هو من خلال المفاوضات.
على الإسرائيليين، ورئيس الوزراء نتنياهو، وحزب الله، أن يفهموا أنهم يشنّون حرباً عبثية.
الاستراتيجية التي يتبعونها قصيرة النظر، وغير منتجة".
هكذا ببساطة، يقطع جوزاف عون في أيام معدودة المسافة الطويلة التي قطعها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس في أكثر من 20 عاماً، ليصل إلى النقطة التي يساوي فيها بين الاحتلال والمقاومة، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بإعلان العداء الصريح للمقاومة في غزّة، مقابل التودّد المشين للاحتلال والالتزام المطلق بالتنسيق معه أمنياً واستخباريّاً في تعقب المقاومين في الضفة الغربية.
في الحوار، أيضاً، كثير من الثرثرة التي تخاطب غرائز الراعي الأميركي لعملية التفاوض" الانتحارية" التي تضع المجتمع اللبناني أمام كوابيس سبعينيات القرن الماضي، عبر الإمعان في صياغة عبارات الخصومة مع إيران وحزب الله، وفي الناحية الأخرى المبالغة في صيغ الاندفاع نحو إنهاء حالة العداء ومد جسور الصداقة والتعاون مع الكيان الصهيوني ونتنياهو، على نحو أثار استغراب مذيعة الشبكة الأميركية ذاتها، بما يضعنا أمام موقف غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ تسقط قضية فلسطين تماماً من ذاكرة رئيس البلد العربي الأكثر قرباً بالجغرافيا والروابط الاجتماعية والإثنية من الشعب الفلسطيني، إذ كان الذاهبون إلى التطبيع في كل الأوقات يبرّرون هذا الانحراف عن مقتضيات التاريخ والجغرافيا بالتمسّح في القضية الفلسطينية، وادّعاء اشتراط حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة لكي يحدث التطبيع.
يقول المشهد الراهن، بكل وضوح، إن كل اتفاق يتجرّعه العرب من يد دونالد ترامب جرعة إضافية من سم زعاف، وأمامنا حالة غزّة التي ترفل في نعيم ورفاهية مجلس سلام الرئيس الأميركي، حتى صارت المساحة التي يسيطر عليها بنيامين نتنياهو أكثر من ثلثي جغرافيا القطاع، ناهيك عن الهدايا اليومية التي يوزّعها نتنياهو وترامب والوسطاء على الشعب المحاصر في الخيام الممزّقة وأنقاض الأبنية المهدّمة، حيث لا تتوقف عمليات الاغتيال التي تحصُد مع كل قيادة من قيادات المقاومة عشرة شهداء على الأقل، بينهم أطفال ونساء.
هل تختلف الصورة في لبنان عن صورة غزّة كثيراً؟ ينطق الواقع إن نتنياهو يسلك في جنوب لبنان، وفي بيروت الجنوبية، بالطريقة ذاتها التي تجري عليها الأمور في غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك