حصل صباح 29 من الشهر الماضي (أيار/ مايو) تطوّر مهمّ في مسار الحرب الأوكرانية، إذ انفجرت مسيّرة روسية أعلى مبنى سكني في رومانيا على بعد 20 كيلو متراً من الحدود مع أوكرانيا.
ليست هذه المرّة الأولى التي تُرسل فيها مسيّرات نحو أوروبا أو رومانيا، فقد سبقها بأيّام استهداف آخر لليتوانيا، لكنّ الجديد وصول الخطر إلى مبنى سكني وحدوث إصابات، ما دفع متابعين إلى القول إنّ عضوية رومانيا في كلّ من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) لم تنجح في توفير الحماية والأمان لها.
مالت التحليلات الأولية إلى إنّ الحادثة كانت نتيجة خطأ.
وفقاً لهذا، يظلّ من المُستبعَد أن يكون المقصود توسيع دائرة الحرب.
إلّا أنّ هناك رأياً آخر كان ينبع من التساؤل التالي: ماذا لو كان الأمر محاولة لاختبار ردّات الفعل، والتحقّق ممّا إذا كان بإمكان" الحلفاء" أن يفعلوا ما هو أكثر من الشجب والإدانة؟لن يكون ظهور الدول الأوروبية بهذا الضعف، ومحاولة ترويج رواية الضربة الخاطئة، مفيداً على المدى الطويلعلّق الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في منشور له: " أؤكّد أنّ الناتو مستعدّ للدفاع عن كلّ سنتيمتر في حدوده".
على الرغم من ذلك التصريح القوي، شرح متخصّصون أنّ ما حدث لا يرقى إلى تفعيل المادّة الخامسة، التي توجب ردّ الحلف وتدخّله، لانعدام القصد الواضح.
في الأخير، لم يظهر أنّ هناك كثيراً ممّا يمكن للدول الغربية أن تفعله سوى الحديث عن ضرورة تطوير الأنظمة الدفاعية لتكون قادرةً على صدّ الهجمات المماثلة، لأنّ الأنظمة الحالية ما تزال عاجزةً وضعيفةً أمام تهديدات المسيّرات.
حالة الارتباك مستمرّة، فمن الناحية النظرية، الدول الأوروبية ليست في حالة حرب حتّى تفعّل منظومات متطوّرة مضادة للطائرات وقادرة على تأمين الأجواء ضدّ خطر المسيّرات، لكن واقعياً تضع الدول التي تقود الاتحاد الأوروبي نفسَها في موضع المعادي لروسيا والداعم لأوكرانيا، ما يجعل القارّة كلّها في دائرة الاستهداف.
في الإجابة عن سؤال الفشل في التصدّي لهذه المسيّرة، كان المسؤولون الرومانيون يشرحون صعوبة الأمر بأنّ المسألة معقّدة، فإلى ضيق الوقت الذي لا يتعدّى بضع دقائق فاصلة بين دخول المجال الجوي والتفجير، كانت هناك مخاطرة أيضاً إذا أُرسل صاروخ عبر الأجواء في منطقة سكنية مدنية.
لا يمكن لوم الجانب الروماني، فالمسيّرات تهديدٌ للجميع، وهي تتميّز أصلاً بصعوبة التصدّي لها، وهو ما يظهر في أكثر من بلد، بما فيها أوكرانيا، التي تعرّضت عاصمتها كييف لهجمات كثيفة في الأيّام الماضية، وروسيا، التي تعاني أيضاً هذه الهجمات.
في المقابل، لن يكون ظهور الدول الأوروبية بهذا الضعف، ومحاولة ترويج رواية الضربة الخاطئة، مفيداً على المدى الطويل، بل قد يغري بمزيد من الاستهداف والاستضعاف، لذلك كان الموقف الذي دعا إليه بعض المتحمّسين يتعلّق بضرورة الردّ السريع والعاجل، حتّى ولو ثبت أن ما حدث كان مجرّد خطأ.
ما فات هؤلاء المتحمّسين أن ما يطلبونه غير ممكن بسبب صعوبة التوافق على مثل هذا القرار بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتنظر إلى الأمور الأمنية وإلى العلاقة مع روسيا بعيون مختلفة.
التباين في وجهات النظر كبير، فبينما يرى بعضهم ضرورة التصعيد وخوض الحرب بشكل مباشر أكثر ضدّ موسكو، يرى آخرون أنّ معاداة الروس حماقة، وأنّ من الأفضل الحفاظ على علاقة جيّدة مع الجارة الكبيرة.
أثر التباين واضح، فعقب اختبار روسي سابق عبر إرسال مجموعة من المسيّرات المتزامنة نحو أكثر من بلد أوروبي، انتفض القادة الأوروبيون ودعوا إلى تفعيل مظلّة أوروبية شاملة مهمتها حماية السماء من خطر المسيّرات.
في نظر أولئك القادة، الذين وضعوا على الطاولة أيضاً مقترح التعاون مع أوكرانيا في هذا المجال، ستكون هذه المظلّة الجامعة أكثر فائدةً من تأمين كلّ دولة حدودها الجوّية بنفسها، كما أنّها ستحمل رسالةً إلى الروس مفادها بأنّ المسيّرات لن تكون وسيلةً ناجحةً إذا ما اعتُمد عليها في أيّ حرب مقبلة مع أوروبا.
قد يفعل بوتين كلّ ما يستطيع لحماية منطقه السياسي والتمسّك بما حصل عليه من أراضٍ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك