لم يعد دور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مقتصرًا على الجانب الروحي فقط، بل تطور عبر عقود ليشمل أبعادًا اجتماعية وتنموية واسعة جعلتها أحد الفاعلين في دعم الفئات الأكثر احتياجًا داخل المجتمع المصري، ومن خلال مجموعة من الهيئات والمؤسسات، نجحت الكنيسة في بناء نموذج متكامل يجمع بين الخدمة والرؤية التنموية المستدامة.
أسقفية الخدمات.
الذراع التنموي الأقدمتُعد أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية والمسكونية، التي تأسست عام 1962، حجر الأساس في العمل التنموي الكنسي، حيث لعبت منذ نشأتها دورًا محوريًا في تقديم الخدمات للفقراء والمهمشين في مختلف أنحاء الجمهورية.
وتقوم رؤية الأسقفية على بناء مجتمع قادر على استثمار إمكاناته، يحترم التنوع ويعزز الكرامة الإنسانية، فيما ترتكز رسالتها على إيقاظ الوعي الاجتماعي ومواجهة الفقر والجهل والمرض عبر تدخلات ميدانية مباشرة.
وعلى مدار تاريخها، مرت الأسقفية بعدة مراحل قيادية أسهمت في تطوير أدائها، بداية من الأنبا صموئيل، مرورًا بالأنبا أثناسيوس، ثم الأنبا سرابيون الذي وضع نظمًا إدارية حديثة، وصولًا إلى الأنبا يؤانس الذي أدخل مفهوم التنمية المتكاملة، وأخيرًا الأنبا يوليوس الذي قاد عملية إعادة الهيكلة والتحديث المؤسسي.
وتتنوع برامج الأسقفية لتشمل مجالات متعددة، أبرزها الرعاية الصحية الأولية، والتعليم، والتنمية الاقتصادية، والتنمية الريفية، إلى جانب برامج حماية الطفل والمرأة، وتمكين الشباب، ودعم ذوي الإعاقة، فضلًا عن برامج الإغاثة وتحسين السكن.
كما تعتمد الأسقفية على نهج علمي في التخطيط والمتابعة، من خلال برامج الدراسات الاجتماعية وبناء القدرات، بما يضمن استدامة التأثير وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
الرعاية الاجتماعية.
من المساعدات إلى قاعدة بيانات قوميةفي إطار تطوير العمل الاجتماعي، اتجهت الكنيسة إلى تأسيس منظومة متكاملة للرعاية الاجتماعية، تعتمد على قاعدة بيانات موحدة تغطي مختلف إيبارشيات الجمهورية، تحت إشراف البابا تواضروس الثاني.
وتهدف هذه المنظومة إلى حصر الأسر الأكثر احتياجًا بدقة، باستخدام الرقم القومي كأداة رئيسية لضمان عدم التكرار وتحقيق العدالة في توزيع الدعم.
وترتكز فلسفة الرعاية الاجتماعية على مبادئ أساسية، أبرزها عدم حرمان أي فرد من احتياجاته الأساسية، سواء كانت غذاء أو علاجًا أو تعليمًا أو مأوى، وهو ما يعكس تحولًا من العمل الخيري التقليدي إلى نموذج مؤسسي قائم على التخطيط.
وتشمل خدمات الرعاية الاجتماعية دعم التعليم من خلال برامج مثل “علم ابنك”، وتمويل المشروعات الصغيرة، وتقديم مساعدات علاجية، إضافة إلى دعم الفئات الأكثر هشاشة مثل الأرامل وكبار السن والأيتام.
كما ساهمت هذه المنظومة في تعزيز التنسيق بين الكنائس والهيئات المختلفة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة، وتحقيق نوع من التكامل في العمل الخدمي.
المكتب البابوى للمشروعات.
دعم استراتيجي للتنميةمع التحديات التي شهدها المجتمع المصري بعد عام 2011، برزت الحاجة إلى تدخلات أكثر تنظيمًا، وهو ما دفع البابا تواضروس الثاني إلى تأسيس المكتب البابوي للمشروعات عام 2013.
ويعمل المكتب تحت إشراف مباشر من البابا، بهدف دعم المبادرات التنموية، خاصة في مجالات التعليم والصحة، إلى جانب تعزيز القدرات المؤسسية داخل الكنيسة.
ويركز المكتب على تنفيذ مشروعات نوعية تسهم في تحسين جودة الحياة، سواء من خلال إنشاء مرافق تعليمية وصحية، أو تقديم الدعم الفني والتدريب للكوادر، بما يضمن استدامة هذه المشروعات.
كما يعتمد المكتب على بناء شراكات مع جهات محلية ودولية، بما يعزز من قدرته على توسيع نطاق الخدمات والوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين.
مكتب HIGH.
جسر بين الداخل والمهجرفي ظل الانتشار الواسع للأقباط خارج مصر، ظهرت الحاجة إلى آلية تربط أبناء المهجر باحتياجات الداخل، وهو ما تجسد في إنشاء مكتب HIGH عام 2018، كأحد أدوات الربط بين الطرفين.
ويقوم المكتب على فكرة تنظيم أسابيع خدمة يشارك فيها شباب من خارج مصر، لتقديم خدمات متنوعة داخل القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، بما يشمل التعليم والرعاية الصحية والمشروعات الصغيرة.
ويتكون المكتب من هيكل تنظيمي يضم فرق عمل داخل مصر وخارجها، إلى جانب مكتب تنسيقي بالبطريركية، يتولى تنظيم البرامج وتوزيع الجهود وفقًا للاحتياجات الفعلية.
ولا يقتصر دور المكتب على تقديم الخدمات فقط، بل يمتد ليشمل بناء جسور تواصل إنساني وثقافي بين أبناء الكنيسة في الداخل والخارج، بما يعزز روح الانتماء والمسؤولية المشتركة.
منظومة متكاملة لخدمة المجتمعتعكس هذه الهيئات مجتمعة رؤية واضحة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في دورها داخل المجتمع، حيث لم تعد الخدمة مجرد نشاط خيري، بل أصبحت عملية تنموية متكاملة تقوم على التخطيط والدراسة والتقييم.
ومن خلال التكامل بين أسقفية الخدمات، ومنظومة الرعاية الاجتماعية، والمكتب البابوي للمشروعات، ومكتب HIGH، استطاعت الكنيسة أن تقدم نموذجًا يجمع بين البعد الروحي والاجتماعي، ويستجيب لاحتياجات الإنسان في مختلف جوانب حياته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك