The Military Must End the War — Civilians Must Prevent Its Returnالمدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجيةإذا كان وقف الحرب هو المهمة الأولى للعسكريين، فإن المهمة التاريخية للقوى المدنية تبدأ فور توقف الحرب.
ذلك أن إخماد القتال، مهما بلغت أهميته، لا يمثل نهاية الأزمة السودانية، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة إعادة بناء الدولة والمجتمع والمؤسسات.
ولعل أحد أهم الدروس المستفادة من التجربة الانتقالية السابقة هو أن القوى المدنية انشغلت طويلاً بالخلافات حول السلطة قبل أن تتفق على المشروع الذي ينبغي أن تُستخدم السلطة لتحقيقه.
ولذلك فإن الحوار المدني المطلوب بعد وقف الاقتتال لا ينبغي أن يكون إعادة إنتاج لصراعات ما قبل الحرب، ولا سباقاً مبكراً نحو المناصب والترتيبات الانتقالية، بل حواراً حول الأسس التي ستُبنى عليها الدولة السودانية بعد الحرب.
أولاً: التدرج في معالجة التناقضاتإن أحد أكبر الأخطاء التي صاحبت التجربة السياسية السودانية بعد نجاح ثورة ديسمبر في إسقاط نظام الإنقاذ كان الخلط بين التناقضات الرئيسية والتناقضات الثانوية.
فالتناقض الرئيسي في هذه المرحلة يتمثل في تجاوز آثار الحرب واستكمال تفكيك الدولة المختطفة التي أنتجتها منظومة الإنقاذ والحرب واقتصاد العنف.
أما الخلافات بين قوى ثورة ديسمبر والقوى المدنية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية، ورغم أهميتها، فإنها تظل تناقضات ثانوية ينبغي إدارتها وتجميدها مرحلياً حتى لا تتحول إلى عقبة أمام تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى.
ذلك أن ثورة ديسمبر نفسها لم تكن لتنجح لو لا تقديم التناقض الرئيسي على ما عداه.
ولم تكن لثورة ديسمبر أن تنتكس لاحقاً لو لا عودة التناقضات الثانوية لتتصدر المشهد وتعلو على التناقض الرئيسي مع نظام الإنقاذ.
ثانياً: العهد الوطني قبل الدستورقبل الحديث عن الدستور الدائم أو الانتخابات، يحتاج السودان إلى توافق سياسي ومجتمعي واسع حول ما يمكن تسميته بالعهد الوطني.
ويتمثل هذا العهد في مجموعة من المبادئ المؤسسة التي لا تخضع للمساومة السياسية اليومية، ومنها:احترام التنوع الثقافي والديني والإثني.
استقلال القضاء وسيادة حكم القانون.
إن العهد الوطني هو الوثيقة التي تنظم العلاقة الأفقية بين السودانيين أنفسهم قبل أن تنظم القوانين العلاقة الرأسية بينهم وبين الدولة.
ثالثاً: العقد الاجتماعي الجديدأما العقد الاجتماعي الجديد فيتعلق بإعادة تعريف العلاقة الرأسيةبين المواطن والدولة بعد عقود من الاستبداد والحروب.
فالمواطن السوداني يحتاج إلى دولة تحميه قبل أن تطالبه بالطاعة.
والدولة تحتاج إلى شرعية مستمدة من رضا المواطنين لا من القوة المسلحة.
ومن هنا فإن العقد الاجتماعي الجديد ينبغي أن يقوم على:العدالة في توزيع الموارد والفرص.
رابعاً: العدالة المؤجلة لا العدالة الملغاةمن أخطر الأوهام الاعتقاد بأن السلام والعدالة يمثلان خيارين متناقضين.
فلا يمكن بناء سلام مستدام على الإفلات الكامل من العقاب، كما لا يمكن إيقاف الحرب إذا تحولت العدالة إلى شرط انتقامي مسبق لكل خطوة سياسية.
ولهذا يحتاج السودان إلى نموذج للعدالة الانتقالية المتدرجةيحقق ثلاثة أهداف متوازنة:فالعدالة قد تؤجل بعض آلياتها، لكنها لا تلغي مبادئها.
الاقتصاد هو الملف الأكثر إلحاحاً بعد الحرب.
فالسودان سيخرج من هذه الحرب باقتصاد منهك، ومؤسسات مدمرة، وملايين النازحين، وبنية تحتية متضررة.
ولذلك فإن الحوار المدني ينبغي أن يتجاوز الاستقطابات القديمة حول القبول أو الرفض المطلق لبرامج المؤسسات المالية الدولية.
ذلك أن السنوات الأخيرة قد شهدت تحولاً مهماً في مقاربات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تجاه الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، مع تركيز أكبر على الحماية الاجتماعية، وإعادة بناء المؤسسات، والتدرج في الإصلاحات.
وعليه فإن السؤال لم يعد: هل نتعاون أم لا نتعاون مع المؤسسات الدولية؟ بل أصبح: كيف نستفيد من البرامج المعدلة لخدمة أولويات إعادة بناء السودان في إطار الاندماج في المجتمعين الإقليمي والدولي تحت مظلة تحقيق المصالح المشتركة المشروعة؟سادساً: علاقة إيجابية بين المدنيين والجيش شرط لإعادة هيكلتهمن أكبر الأخطاء التي أضعفت الفترة الانتقالية السابقة اختزال العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية في ثنائية الصراع أو الشراكة.
فالتجربة أثبتت أن بناء دولة مدنية مستقرة لا يتحقق بالعداء للجيش، كما لا يتحقق بخضوع المدنيين له.
المطلوب في المرحلة القادمة هو بناء وشيجة وطنية جديدة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، تقوم على الاحترام المتبادل وتوزيع الأدوار وفقاً للدستور والقانون.
فالجيش السوداني سيظل المؤسسة الوطنية المسؤولة عن حماية البلاد، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى عملية إصلاح وإعادة هيكلة تستعيد مهنيته ووحدته وعقيدته الوطنية.
وفي هذا الإطار، فإن دمج الحركات المسلحة في جيش وطني واحد يمثل جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة، وليس مجرد بند أمني في اتفاق سياسي.
كما أن أي عملية انتقال مدني ناجحة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية ملتزمة بحماية الدستور والانتقال الديمقراطي، لا بالتدخل في العملية السياسية.
وبالمقابل، فإن إعادة بناء الجيش تتطلب حاضنة مدنية مسؤولة تدرك أن إصلاح المؤسسة العسكرية لا يتم عبر الإقصاء أو المواجهة، بل عبر الحوار المؤسسي والإصلاح التدريجي والإقرار بالدور الحيوي والحصري للجيش في حماية الانتقال المدني.
سابعاً: البرنامج الابتنائي للفترة الانتقاليةالفترة الانتقالية المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد فترة لإدارة الأزمة.
بل يجب أن تتحول إلى برنامج وطني لابتناء السودان.
ويشمل ذلك:إعادة بناء مؤسسات الدولة.
إعادة بناء الخدمة المدنية.
إعادة بناء النظام العدلي.
إعادة بناء الإدارة المحلية.
إعادة بناء النظام اللامركزي.
إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
فالانتقال ليس فترة انتظار للانتخابات، بل مرحلة تأسيس للشروط التي تجعل الانتخابات ذات معنى.
ثامناً: لماذا تحتاج الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات؟من الوهم الاعتقاد أن السودان يستطيع معالجة آثار الحرب خلال عام أو عامين.
فإعادة الإعمار وحدها تحتاج إلى سنوات.
كما أن عودة النازحين واللاجئين، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح القطاع الأمني، واستعادة النشاط الاقتصادي، كلها عمليات طويلة ومعقدة.
ولهذا فإن أي فترة انتقالية تقل عن خمس سنوات ستكون معرضة للانهيار تحت ضغط المهام المتراكمة.
أما الفترة الانتقالية الممتدة والمدعومة وطنياً وإقليمياً ودولياً، فتمنح السودان فرصة حقيقية للانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.
إذا كان العسكريون مطالبين بإيقاف الحرب، فإن المدنيين مطالبون بمنع عودتها.
وهذا لن يتحقق عبر الصراع على السلطة أو التنافس المبكر على المناصب، بل عبر الاتفاق على مشروع وطني جامع يقوم على العهد الوطني، والعقد الاجتماعي، والعدالة الانتقالية، والتنمية الاقتصادية، وإعادة بناء الدولة.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل القوى المدنية بعد الحرب ليس: من يحكم السودان؟ بل: كيف ننجز ابتناء السودان؟ وهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مصير البلاد لعقود قادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك