الجزائرـ “القدس العربي”: قدّم النائب الجزائري عبد الوهاب يعقوبي مشروع مقترح قانون لإعادة ضبط المواد المقيدة للترشح في مختلف الانتخابات، في سياق الجدل الواسع الذي أحدثته قرارات السلطة المستقلة للانتخابات بإقصاء آلاف المترشحين للانتخابات البرلمانية بمبرر تطبيق المادة 200، وهو الأمر الذي طال أغلب الأحزاب في المعارضة كما في الموالاة.
وجاءت المبادرة التشريعية التي كشف عنها يعقوبي وهو نائب عن حركة مجتمع السلم، تحت عنوان “اقتراح قانون لحماية حق الترشح ومنع الإقصاء التعسفي وضمان نزاهة العملية الانتخابية”، مؤكدا أنها تندرج ضمن مجموعة من المبادرات التي كان يعتزم إيداعها لدى مديرية المبادرات البرلمانية بالمجلس الشعبي الوطني، غير أن تجميد النشاط التشريعي للبرلمان حال دون تسجيلها وفق الإجراءات المعمول بها.
ويهدف المشروع، بحسب صاحبه، إلى حماية الحق الدستوري في الترشح، وضمان حق الدفاع، ومنع كل أشكال الإقصاء التعسفي، وتعزيز شفافية ونزاهة العملية الانتخابية، إلى جانب تكريس الأمن القانوني للمترشحين والمنتخبين.
كما يستند، وفق الديباجة المرفقة به، إلى أحكام الدستور وبيان أول نوفمبر والالتزامات الدولية التي صادقت عليها الجزائر في مجال الحقوق السياسية والمدنية.
ويأتي طرح هذه المبادرة في وقت ما تزال فيه الساحة السياسية تعيش على وقع تداعيات قرارات رفض عدد كبير من ملفات الترشح الخاصة بانتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة، حيث احتجت شخصيات وأحزاب سياسية على ما اعتبرته توسعا في تفسير المادة 200 من قانون الانتخابات، ولا سيما البند المتعلق بعدم ارتباط المترشح بـ”أوساط المال الفاسد والأعمال المشبوهة”.
وتشكل المادة 200 محور التعديل الرئيسي الذي اقترحه يعقوبي، إذ يسعى المشروع إلى إعادة صياغة كيفية تطبيق هذا الشرط من خلال وضع قيود قانونية واضحة على الجهات المكلفة بدراسة ملفات الترشح.
وينص المقترح على أنه لا يمكن تطبيق هذا البند إلا استنادا إلى “عناصر موضوعية ثابتة وقابلة للإثبات والمواجهة”، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
ويقترح النص كذلك إلزام الجهات المعنية بتمكين المترشح من الاطلاع على الوقائع والأدلة المعتمدة ضده قبل اتخاذ قرار الرفض، ومنحه فرصة الرد وتقديم دفوعه وملاحظاته، مع اعتبار أي قرار يصدر دون احترام هذه الإجراءات باطلا.
ومن بين أهم النقاط التي يتضمنها المشروع أيضا منع الاعتماد الحصري على التقارير أو التحريات الإدارية غير القضائية كأساس لإقصاء المترشحين أو حرمانهم من حق الترشح.
ويرى صاحب المبادرة أن اللجوء إلى مثل هذه التقارير دون إخضاعها للمناقشة القضائية أو تمكين المعنيين من الاطلاع عليها يفتح الباب أمام المساس بالحقوق السياسية للمواطنين ويؤثر على مبدأ المساواة بين المترشحين.
كما يقترح المشروع إدراج ضمانات جديدة لحماية كرامة المترشحين وسمعتهم، من خلال النص صراحة على حظر أي إجراء أو تعليل من شأنه التشهير بالمترشح أو النيل من اعتباره خارج الحدود الضرورية لمعالجة ملف الترشح.
ويؤكد في هذا السياق أن محاربة الفساد وحماية نزاهة الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للمساس بحقوق الأشخاص أو وصمهم استنادا إلى شبهات غير مثبتة.
ويتضمن المشروع أيضا أحكاما خاصة بحماية المنتخبين الذين يمارسون عهدتهم الانتخابية، حيث ينص على عدم جواز منع أي منتخب من الترشح لعهدة جديدة أو لعهدة أخرى بسبب مواقف أو آراء أو ممارسات مرتبطة بأدائه لمهامه التمثيلية أو الرقابية، أو نتيجة خلافات مع الجهاز التنفيذي، ما لم يكن المنع مستندا إلى حكم قضائي نهائي أو سبب قانوني صريح ومثبت.
وفي جانب آخر، يسعى النص إلى تعزيز حق الدفاع من خلال تعديل المادة 206 من قانون الانتخابات.
ويقترح إلزام السلطات المختصة بتسبيب قرارات رفض الترشح تسبيبا قانونيا وواقعيا مفصلا، مع ذكر الوقائع المحددة والأسباب القانونية التي بُني عليها القرار.
كما يعتبر باطلا كل قرار يكتفي بعبارات عامة أو بإعادة سرد النصوص القانونية دون بيان الوقائع المادية التي تبرر الرفض.
ويقضي المقترح كذلك بإبلاغ المترشح بقرار الرفض خلال أجل 24 ساعة من صدوره، وتمكينه من الاطلاع على الوثائق التي استند إليها القرار والحصول على نسخ منها، بما يسمح له بإعداد دفاعه وممارسة حقه في الطعن أمام الجهات القضائية المختصة.
ومن بين المستجدات التي حملها المشروع أيضا استحداث آلية لـ”رد الاعتبار”، إذ يمنح المترشح الذي يثبت لاحقا عدم صحة الوقائع المنسوبة إليه أو الذي ينجح في إلغاء قرار رفض ترشحه، الحق في المطالبة بإزالة الآثار القانونية والإدارية المترتبة عن ذلك القرار، وتصحيح أو حذف المعلومات التي أضرت بسمعته أو بمركزه القانوني.
ولم تقتصر تعديلات يعقوبي على المادة 200 فقط، بل شملت أيضا المادة 184 الخاصة بشروط الترشح للانتخابات المحلية، حيث اقترح إدراج الضمانات نفسها المتعلقة بقرينة البراءة وحق الدفاع وضرورة الاعتماد على أدلة موضوعية وقابلة للإثبات قبل اتخاذ أي قرار بالإقصاء.
كما تطرقت المبادرة إلى وضعية الجالية الجزائرية بالخارج، إذ اقترحت تعديل المادة 124 بما يضمن تحديد الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المخصصة للجالية قبل استدعاء الهيئة الناخبة، ومنع أي تعديل على هذه المعطيات بعد انطلاق المسار الانتخابي، وذلك بهدف تعزيز الاستقرار القانوني وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
وفي عرض الأسباب المرفق بالمشروع، اعتبر يعقوبي أن التجربة الانتخابية الأخيرة كشفت عن “نقائص وإشكالات” يمكن أن تؤثر على المساواة بين المترشحين وتمس بالأمن القانوني للعملية الانتخابية، مشيرا إلى أن حق الترشح لا يقتصر على مجرد فتح باب إيداع الملفات، بل يستوجب توفير جميع الضمانات القانونية التي تسمح بممارسته في ظروف تتسم بالوضوح والشفافية والمساواة.
واستند النائب في تبرير مبادرته إلى أحكام الدستور الجزائري التي تكفل المساواة أمام القانون وقرينة البراءة وحق الدفاع، فضلا عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على حق المواطنين في الترشح للانتخابات دون قيود غير معقولة، وعلى ضمانات المحاكمة العادلة.
وتأتي هذه المبادرة في خضم نقاش سياسي وقانوني متواصل حول تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، بعدما أعلنت عدة أحزاب وشخصيات سياسية تعرض مترشحين تابعين لها للإقصاء استنادا إلى هذا النص.
وبينما تؤكد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن قراراتها تستند إلى أحكام القانون وتهدف إلى حماية نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، يطالب منتقدو الصيغة الحالية للمادة بمزيد من الضمانات القانونية التي تسمح للمترشحين بمعرفة أسباب الإقصاء والدفاع عن أنفسهم قبل اتخاذ القرارات النهائية بشأن ملفاتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك