أصدر معالي الشيخ عبدالملك بن عبدالله الخليلي، رئيس مجلس الدولة، في العاشر من مايو 2026م، القرار رقم (15/2026) بشأن اعتماد الهيكل التنظيمي الجديد للمجلس، وذلك استنادًا إلى الموافقة السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ المنقولة عبر خطاب معالي الدكتور رئيس المكتب الخاص رقم (م خ/245/2026) بتاريخ الـ(16) من ذي القعدة 1447هـ، الموافق الـ(4) من مايو 2026م.
وقد نصَّت المادة الأولى من القرار على اعتماد الهيكل التنظيمي لمجلس الدولة وفقًا للملحق المرفق، فيما جاءت المادة الثانية بالتزام جميع المعنيين بتنفيذه، كلٌّ في مجال اختصاصه، والعمل به اعتبارًا من تاريخ صدوره.
وقد تضمن الهيكل الجديد للمجلس جملة من الموجّهات العمليَّة (الإضافات والتعديلات) المهمَّة، لعلَّ أبرزها:نقل تبعيَّة مركز المعلومات والبحوث من الأمانة العامة للمجلس إلى رئيس المجلس، ليصبح في مستوى تنظيمي أعلى، وأكثر قربًا من مركز اتخاذ القرار، حيث يضم ثلاث دوائر هي: دائرة الرصد والإحصاء، ودائرة الدراسات والبحوث، ودائرة الدعم البرلماني.
استحدث الهيكل الجديد ثلاث وحدات أو تقسيمات تنظيميَّة جديدة تتبع رئيس المجلس مباشرة، هي: دائرة التخطيط والدراسات، ودائرة التقنيَّة ونُظم المعلومات ومكتب رؤية «عُمان 2040».
احتفظت الأمانات المساعدة الثلاث بالمجلس باختصاصاتها وتقسيماتها التنظيميَّة دون تغيير.
تقلص عدد الوحدات والتقسيمات التنظيميَّة التابعة للأمين العام بعد نقل تبعيَّة: مركز المعلومات والبحوث، ودائرة الرصد والإحصاء إلى الرئيس.
ولعلَّ المتأمل في فِقه بناء الهيكل الجديد للمجلس يلحظ بوضوح البُعد المعنوي الذي تُمثِّله هذه التقسيمات الجديدة المتمثلة في مرتكزات: المعرفة، والدراسات العلميَّة، والتخطيط، والتطوير، والتحول الرقمي، والإحصاء، والمؤشرات؛ من قيمةٍ مضافةٍ أصبحت جميعها مرتبطةً مباشرةً برئيس المجلس، الأمر الذي يعكس المكانة التي باتت تحظى بها هذه المرتكزات؛ باعتبارها أدوات رئيسة في توجيه العمل المؤسَّسي وصناعة القرار ورفع جودة المخرجات.
إن تبعيَّة مركز المعلومات والبحوث لرئيس المجلس تؤسس في حلقاته الثلاث لمرحلة جديدة تصبح فيها المعرفة اليقينيَّة القائمة على التشخيص والتحليل والدراسة والتجريب والمنهجيَّة والبحث العلمي، وتعظيم دور الإحصاء والمؤشرات، وفق تأطير منهجي ممارس يضع الدعم البرلماني مركز القوة ليُشكِّل مادة حيويَّة مهمَّة في الدراسات والبحوث، وجزءًا أصيلًا من عمليَّة اتخاذ القرار.
وهو ما يعكس توجُّهًا نحو تعزيز الحوكمة المؤسَّسيَّة المعززة بنضج الأدوات وكفاءة الأُطر، وضمان حضور الدراسات والبحوث وكفاءة البيانات في مختلف مراحل العمل البرلماني، سواء في عمليَّات تشخيص الواقع وتحليل القضايا المطروحة في داخل المجلس وخارجه، سواء عبر أجندة الحكومة أو أطروحات ومرئيَّات المواطنين والرأي العام، وفي صياغة الرؤى والمقترحات، ثم التوصيات ومتابعة نتائجها.
كما أن استحداث دائرة التخطيط والدراسات يحمل دلالةً مهمَّةً ترتبط بالصورة المأمولة من المجلس في إطار التوجيهات السَّامية، بأولويَّة الانتقال من إدارة العمل اليومي إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي طويل المدى؛ إذ يمكن لهذه الدائرة، في ظل احتضانها للخبرات والكفاءات، أن تُشكِّل منصةً مؤسَّسيَّة لاستشراف المستقبل، ورصد التحولات الوطنيَّة والعالميَّة، واقتراح مسارات التطوير المناسبة، ومراجعة الإجراءات والسياسات الداخليَّة بصورة مستمرة، بما يضمن تحسين أدوات وآليَّات عمل المجلس الداخليَّة، وجاهزيَّته للتعامل مع المتغيرات المتسارعة في بيئة العمل المؤسَّسي.
وفي الوقت نفسه، فإن استحداث دائرة التقنيَّة ونُظم المعلومات يعكس إدراكًا متقدمًا لأهميَّة التحول الرقمي في العمل البرلماني الحديث، وأهميَّة الانطلاقة من رحم التحديات التي ترتبط بضرورة تعظيم البُعد الرقمي وفرض حضوره في هياكل وممارسات عمل المجلس، بما يرفع من جودة الأداء وإنتاجيَّة الموظف، ويسهم في تبسيط إجراءات العمل والمراسلات الداخليَّة والعمل بالمضبطة الإلكترونيَّة والاستفادة من تجارب البرلمانات الإقليميَّة والدوليَّة النظيرة، للقناعة بأن كفاءة وجاهزيَّة المنتج التشريعي بحاجة إلى بنية رقميَّة متطورة وقواعد بيانات متكاملة وأنظمة ذكيَّة تدعم اتخاذ القرار وترفع من كفاءة الأداء وسرعة الإنجاز ودقة المتابعة.
وعليه، فإن وجود دائرة مستقلة للتقنيَّة ونُظم المعلومات يُمثِّل خطوةً نوعيَّة ـ ينتظرها المجلس منذ تأسيسه ـ في بناء الاستقلاليَّة التقنيَّة للمجلس، وتعزيز قدرته على توظيف التقنيَّات الحديثة في خدمة اختصاصاته ومهامه.
ومن جانب آخر، فإن وجود دائرة الدراسات والبحوث ودائرة الدعم البرلماني ضمن مركز المعلومات والبحوث له دلالاته في تمكين المجلس من بناء منظومة احترافيَّة لبناء دراسات عميقة قائمة على التحليل العلمي والمنهجيَّات البحثيَّة الحديثة، وقادرة على تقديم بدائل وحلول عمليَّة قابلة للتنفيذ والتطبيق، وهذا التوجُّه من شأنه أن يعزز فرص الشراكة العلميَّة مع جامعة السُّلطان قابوس والجامعات العالميَّة الحكوميَّة والخاصة، ومراكز البحوث، وهيئة البحث العلمي والابتكار، بما يُسهم في بناء قاعدة بحثيَّة داعمة لعمل المجلس، ويقلل من مساحة التباين بين الدراسات الأكاديميَّة والدراسات البرلمانيَّة التي يقوم بها المجلس، ويوظف مخرجات البحث العلمي في خدمة التنمية الوطنيَّة والتشريع والسياسات العامة.
وبالتالي إعادة بناء منظومة الدراسات البرلمانيَّة بالمجلس وفق إطار مؤسَّسي واضح يحدد المنهجيَّات والأدوات والمعايير ونطاق العمل ومراحل التنفيذ وآليَّات المتابعة والتقييم، بحيث تصبح الدراسات البرلمانيَّة مسارًا مؤسَّسيًّا متكاملًا يربط بين التحليل العلمي والواقع التنفيذي، ويعزز قدرة المجلس على تقديم رؤى أكثر عمقًا وواقعيَّة وفاعليَّة للقضايا المطروحة.
إن هذا التحول يجسِّد الرؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في لقاء جلالته برئيس وأعضاء مجلس الدولة في الثاني والعشرين من أغسطس 2025، والذي أكد فيه جلالته ـ حفظه الله ـ على أن مسؤوليَّة التعامل مع القضايا المطروحة على المستوى الوطني هي مسؤوليَّة مشتركة بين كافة مؤسَّسات الدولة وأجهزتها، ووجَّه جلالته بأهميَّة اعتماد آليَّات تنفيذيَّة فعَّالة تُحوِّل المقترحات إلى خطوات عمليَّة تعالج قضايا المُجتمع، وتُعزِّز تكامل مؤسَّسات الدولة، بما يضمن استدامة التنمية وصون المكتسبات.
وأكد جلالته على ضرورة توضيح الجهود المبذولة وما تحقق من منجزات عبر الإعلام ومنصَّات التواصل بإيصال الرسائل الصحيحة ورفع الوعي المُجتمعي، بما يعزِّز ثقة المُجتمع وشراكته.
وما من شك في أن الوقوف على هذه التوجيهات يستدعي تحولًا نوعيًّا في بعمل المجلس، ينتقل فيه من الدور التقليدي إلى المبتكر والمبادر، إلى دور مؤسَّسي نوعي واستباقي، قائم على الرؤية الاستراتيجيَّة والتأثير الفعلي في مسارات التشريع والتنمية، وتعظيم الشراكات النوعيَّة، وتفعيل الاختصاصات المنصوص عليها في قانون مجلس عُمان الصادر بالمرسوم السُّلطاني (7/2021)، والارتقاء بالمنتج التشريعي والسياسات التنمويَّة من حيث العمق والجودة، بما يعكس الثقة السَّامية الممنوحة له ويعزز إسهامه في دعم القرار الوطني، وبما يرسِّخ مكانة المجلس كبيت خبرة وطني استراتيجي فاعل وشريك أساس في منظومة الدولة.
فإن وجود هذه المرتكزات الأربعة (الدراسات والبحوث، والإحصاء والمؤشرات، والتخطيط والتطوير، والتقنيَّة ونُظم المعلومات) مُجتمعةً تحت مظلة إشراف مباشر من رئيس المجلس يُشكِّل معادلةَ القوة المؤسَّسيَّة القادمة التي تُبنى عليها مرحلة الجهوزيَّة في عمل المجلس.
كما أن هذه الهيكلة ـ بما تحمله من فرص التكامل والترابط والانسجام بين مكوِّنات المجلس (الرئيس، ومكتب المجلس، والأمانة العامة، واللجان) ـ تُبرز في جوهرها مسار الحوكمة، وعبر تعظيم دور رئاسة المجلس في قيادة عمليَّة التطوير المؤسَّسي، ومتابعة جودة المنتج البرلماني، وضمان تكامل مكوِّناته، وربط الدراسات بالقرار، والتخطيط بالتنفيذ، والإحصاء بالمؤشرات، والتقنيَّة بالأداء، بما يعزز من فاعليَّة المجلس وقدرته على تحقيق أهدافه الوطنيَّة.
ومن جهةٍ أخرى، فإن تبعيَّة الإعلام والاتصال لرئيس المجلس تُشكِّل ـ مع وجود هذه المرتكزات ـ فرصةً نوعيَّة في إيجاد بنية إعلاميَّة وخطَّة استراتيجيَّة أكثر تكاملًا للإعلام والاتصال؛ فالمعرفة والدراسات والمؤشرات والتخطيط تُمثِّل جميعها مدخلات رئيسة لبناء خطاب إعلامي مؤسَّسي أكثر نضجًا وتأثيرًا، قادر على إبراز جهود المجلس ومنجزاته وتوضيح أدواره واختصاصاته وتعزيز شراكته مع المُجتمع.
وعليه، فإن القيمة المضافة للهيكل التنظيمي لمجلس الدولة تؤسس لمنظومة عمل متكاملة قادرة على الارتقاء بجودة المنتج التشريعي، واقتراح السياسات التي تجسِّدها في واقع العمل بالمؤسَّسات، ضمن إطار حوكمة أكثر فاعليَّة وارتباطًا بمركز صنع القرار المؤسَّسي، فحين تصبح الدراسات والبحوث والإحصاء والمؤشرات والتخطيط والتطوير والتقنيَّة ونُظم المعلومات جزءًا من دائرة التأثير المباشر في صناعة القرار، فإن من شأن هذا التكامل أن يعزز قدرة المجلس على تقديم منتج تشريعي أكثر جودة وعمقًا وتأثيرًا واستجابة لأولويَّات التنمية الوطنيَّة، وحينها ترسخ مكانته كبيت خبرة استراتيجي في إنتاج المعرفة البرلمانيَّة المتخصصة، وتقديم المعالجات العلميَّة للقضايا الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والتنمويَّة، واستشراف التحديات والفرص المستقبليَّة.
كما يمنح المجلس أدوات أكثر كفاءة لتحويل الرؤى والمقترحات إلى سياسات وتشريعات قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم، ويرفع من القيمة المضافة للدراسات البرلمانيَّة ويعظم أثرها في دعم القرار الوطني.
ودعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، من خلال تشريعات أكثر مرونة وجودة واستشرافًا للمستقبل، قادرة على دعم التنافسيَّة والابتكار والاستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك