الوصول باقتصاد المملكة العربية السعودية إلى أربعة تريليونات دولار ليس ضرباً من الخيال، لكنه ليس وعداً مضموناً أيضاً.
إنه مشروع وطني طويل الأمد يتطلب تحولاً اقتصادياً عميقاً ومستداماً يمتد على مدى خمسة عشر إلى خمسة وعشرين عاماً، ولن يتحقق بالإنفاق وحده مهما بلغ حجمه، فالإنفاق يبني المشاريع، أما الاقتصادات العظيمة فتبنيها الإنتاجية.
وقبل الخوض في مسارات هذا التحول، لا بد من التمييز بين الرقم والجوهر؛ فالوصول إلى أربعة تريليونات دولار كقيمة اسمية ليس الهدف الحقيقي بحد ذاته.
ما يصنع الفارق هو النمو الحقيقي في الإنتاجية والقيمة المضافة، لا مجرد تضخم الأرقام بفعل ارتفاع الأسعار العالمية أو تقلبات أسواق الطاقة أو المتغيرات النقدية.
فقد بلغت اقتصادات عديدة أرقاماً لافتة على الورق بينما ظل نموها الحقيقي هشاً، وهو الفخ الذي ينبغي للمملكة أن تتجاوزه إذا أرادت بناء اقتصاد مستدام قادر على المنافسة لعقود مقبلة.
ثمة حقيقة يغفل عنها كثير من النقاشات التنموية: الاقتصاد في جوهره مشروع لبناء الإنسان قبل بناء المصانع.
يمكن شراء المصانع واستيراد التقنية واقتراض رأس المال واستقطاب الخبرات، لكن العقل المنتج والثقافة المؤسسية والانضباط المهني وروح المبادرة لا تُشترى، بل تُبنى عبر أجيال متعاقبة.
وكل نهضة اقتصادية كبرى في التاريخ الحديث كانت في جوهرها رهاناً على الإنسان، وحين أدركت المجتمعات هذه الحقيقة انتقلت من الفقر إلى الريادة، وحين أغفلتها بقيت رهينة الاستيراد والاعتماد على الخارج مهما امتلكت من موارد.
تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمملكة حاجز 1.
2 تريليون دولار وفق آخر التقديرات، والوصول إلى أربعة تريليونات يعني مضاعفة حجم الاقتصاد أكثر من ثلاث مرات بالقيمة الاسمية.
أما التحدي الحقيقي فيكمن في أن يأتي الجزء الأكبر من هذه الزيادة من نمو الإنتاجية والقيمة المضافة لا من العوامل السعرية وحدها.
وبحسب معدلات النمو الاسمي، يحتاج هذا الهدف إلى نحو خمسة وعشرين عاماً عند معدل خمسة بالمئة سنوياً، أو ثمانية عشر عاماً عند سبعة بالمئة، أو أربعة عشر عاماً عند تسعة بالمئة.
أما الحفاظ على نمو حقيقي مرتفع ومستدام لعقود متواصلة فهو تحدٍ استثنائي لم تنجح فيه سوى قلة من الاقتصادات، وكان العامل المشترك بينها جميعاً هو الارتفاع المستمر في الإنتاجية لا مجرد التوسع في الإنفاق أو تراكم الأصول.
ولأن المستقبل يُفهم على ضوء تجارب الماضي، فإن التجارب الاقتصادية الكبرى تقدم دروساً بالغة الأهمية، وإن كانت كل حالة تحمل سياقها الخاص ولا يمكن استنساخها حرفياً.
فقد انتقلت كوريا الجنوبية من دولة أنهكتها الحرب والفقر إلى اقتصاد عالمي يناهز 1.
7 تريليون دولار عبر مزيج من التصنيع التصديري والاستثمار المكثف في التعليم التقني وبناء شركات وطنية عملاقة مثل سامسونج وهيونداي.
لكن الأهم أن هذه الشركات لم تكتفِ بالسوق المحلية، بل توسعت عالمياً عبر الاستحواذات والاستثمارات وبناء شبكات توزيع وحضور صناعي في مختلف القارات.
أما تايوان فقد سلكت طريقاً مختلفاً قوامه التخصص العميق في صناعة أشباه الموصلات حتى أصبحت إحدى أهم الحلقات في الاقتصاد العالمي المعاصر.
ولم يتحقق ذلك خلال سنوات قليلة، بل عبر عقود من الاستثمار المتراكم في المعرفة والبحث العلمي وبناء المؤسسات المتخصصة.
وسنغافورة بدورها حولت محدودية الموارد الطبيعية إلى ميزة تنافسية من خلال الحوكمة الفعالة والانفتاح الاقتصادي والقدرة على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر وتوظيفه في نقل المعرفة ورفع كفاءة الاقتصاد المحلي.
وفي المقابل تقدم ماليزيا والبرازيل مثالاً على صعوبة تجاوز فخ الدخل المتوسط عندما يتباطأ الابتكار وتضعف المؤسسات وتتراجع القدرة على خلق قيمة مضافة محلية.
والقاسم المشترك بين تجارب النجاح لم يكن وفرة الموارد بقدر ما كان وجود مؤسسات فعالة، ورؤية طويلة المدى، واستثمار متواصل في رأس المال البشري، وشركات وطنية قادرة على المنافسة العالمية.
ولا تنمو الاقتصادات الكبرى بالموارد وحدها، بل بالمؤسسات التي تحسن إدارة تلك الموارد.
فالمؤسسات القادرة على تطبيق الأنظمة بعدالة، وحماية العقود، وتسريع الإجراءات، وتعزيز المنافسة، وخلق بيئة مستقرة للاستثمار، تمثل أحد أهم الأصول غير المرئية في أي اقتصاد متقدم.
وقد أثبت التاريخ أن المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء يبحث في نهاية المطاف عن بيئة يمكنه أن يبني فيها خططه لعقود لا لسنوات، ويثق فيها بأن القواعد مستقرة والفرص متاحة والحوكمة فاعلة.
وفي الحالة السعودية، يمكن النظر إلى مسار الوصول إلى اقتصاد الأربعة تريليونات من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.
يتمثل المستوى الأول في المحركات الأساسية للنمو، وهي رأس المال البشري والإنتاجية والابتكار.
ويتمثل المستوى الثاني في المحركات التمكينية التي تشمل المؤسسات الفعالة والاستثمار الأجنبي والسوق المالية والبنية التحتية المتقدمة.
أما المستوى الثالث فهو القطاعات الاقتصادية القادرة على تحويل هذه المقومات إلى قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات ونمو مستدام.
في قطاع الطاقة، تمتلك المملكة فرصة استثنائية للانتقال من دور المصدر التقليدي للنفط الخام إلى دور أكثر تقدماً في سلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بالطاقة والكيميائيات والمواد المتقدمة وتقنيات تخزين الطاقة والطاقة المتجددة.
ويبرز هنا الدور الاستراتيجي لأرامكو السعودية بوصفها منصة صناعية وتقنية عالمية لا مجرد شركة لإنتاج النفط.
فإذا نجحت في توسيع حضورها في مجالات الكيميائيات المتقدمة والمواد الصناعية والتقنيات المرتبطة بالطاقة، فإن أثرها سيتجاوز مساهمتها التقليدية في الإيرادات ليصبح محركاً رئيسياً للنمو غير النفطي.
أما الهيدروجين فيبقى فرصة واعدة على المدى الطويل، لكن نجاحه سيظل مرتبطاً بمدى نضج تقنياته وقدرته على تحقيق جدوى اقتصادية تنافسية عالمياً.
وفي الصناعة المتقدمة تبرز فرص مهمة في مجالات السيارات الكهربائية والبطاريات والصناعات الدفاعية وأشباه الموصلات والمعدات الصناعية المتخصصة.
إلا أن هذه القطاعات لا تنمو بالاستثمارات الرأسمالية وحدها، بل تحتاج إلى منظومات متكاملة من المعرفة والبحث والتطوير وسلاسل التوريد والكفاءات البشرية.
وينطبق الأمر ذاته على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، حيث تمتلك المملكة مزايا تنافسية تتمثل في وفرة الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي، لكن القيمة الحقيقية لن تتحقق من خلال استضافة البنية التحتية فقط، بل عبر تطوير قدرات محلية في البرمجيات والخوارزميات والتطبيقات والملكية الفكرية.
ويمثل التعدين أحد أكثر القطاعات الواعدة في العقود المقبلة مع تنامي الطلب العالمي على المعادن الحيوية اللازمة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
غير أن النجاح في هذا القطاع لا يقاس بحجم الاحتياطيات وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها ورفع نسبة القيمة المضافة المحلية.
كما يظل الموقع الجغرافي للمملكة أحد أهم الأصول الاستراتيجية غير المستغلة بالكامل حتى الآن.
فوجودها عند تقاطع طرق التجارة العالمية يمنحها فرصة حقيقية للتحول إلى مركز لوجستي عالمي، شريطة مواصلة تطوير الأنظمة الجمركية والخدمات الرقمية والبنية التحتية للموانئ والمطارات وسلاسل الإمداد.
وتبرز السياحة بوصفها أحد القطاعات القادرة على إحداث أثر اقتصادي واسع النطاق، لما تمتلكه المملكة من تنوع فريد يجمع بين البعد الديني والحضاري والترفيهي والطبيعي.
غير أن التجارب العالمية تؤكد أن صناعة السياحة لا تُبنى بالمشروعات العمرانية وحدها، بل بجودة التجربة الإنسانية التي يعيشها الزائر منذ لحظة وصوله حتى مغادرته.
ولذلك فإن نجاح القطاع يتطلب الاستثمار في الكفاءات والخدمات والنقل والثقافة وتجربة العميل بقدر ما يتطلب الاستثمار في الوجهات والمرافق.
وإذا نجحت المملكة في تحقيق جزء كبير من مستهدفاتها السياحية خلال السنوات المقبلة، فإن القطاع مرشح لأن يصبح أحد أكبر روافد النمو غير النفطي.
وفي جميع هذه القطاعات، يبقى الاستثمار الأجنبي المباشر أحد أهم المحركات التمكينية للنمو.
فالدول التي نجحت في بناء صناعات متقدمة لم تعتمد على رأس مالها المحلي وحده، بل استفادت من استقطاب الشركات العالمية والتقنيات الحديثة والخبرات المتراكمة.
غير أن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي لا تقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، بل بما يتركه من أثر دائم في الاقتصاد المحلي من خلال نقل المعرفة وبناء الكفاءات وتوطين التقنية وفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الوطنية.
فكل استثمار أجنبي لا يخلق معرفة محلية أو قدرة إنتاجية جديدة يظل أثراً مؤقتاً مهما بلغ حجمه.
وتؤدي السوق المالية دوراً لا يقل أهمية عن بقية المحركات التمكينية.
فاقتصادات العالم الكبرى لم تنمُ فقط عبر المشاريع والاستثمارات الحكومية، بل من خلال أسواق مالية عميقة قادرة على توجيه رأس المال نحو الفرص الأكثر إنتاجية.
وقد قطعت السوق المالية السعودية شوطاً مهماً خلال السنوات الماضية، لكن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق أدوات التمويل وتوسيع نطاق المنتجات الاستثمارية وتعزيز الشفافية والحوكمة ورفع كفاءة تخصيص رأس المال.
فالسوق المالية الناضجة ليست مجرد منصة لتداول الأسهم، بل مؤسسة اقتصادية تتيح للشركات النمو والابتكار والتوسع محلياً وعالمياً.
ورغم أهمية الشركات العملاقة في قيادة التحول الاقتصادي، فإن الاقتصادات المتقدمة لا تُبنى عليها وحدها.
فخلف كل شركة عالمية كبرى توجد شبكة واسعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تشكل العمود الفقري الحقيقي للإنتاج والتصدير والابتكار.
وتجربة ألمانيا في هذا المجال تقدم مثالاً واضحاً على الدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات المتوسطة المتخصصة عالمياً في بناء اقتصاد تنافسي ومستدام.
ولذلك فإن نجاح المملكة لن يقاس فقط بعدد الشركات العملاقة التي تنشأ فيها، بل أيضاً بقدرتها على بناء آلاف الشركات المتوسطة القادرة على الابتكار والتصدير والنمو الإقليمي والدولي.
وفي صميم هذا التحول كله تبقى الإنتاجية هي العامل الحاسم.
فالإنتاجية ترتفع بالاستثمار في التعليم والتدريب والتقنية والأتمتة والرقمنة والإدارة الحديثة والبحث والتطوير.
وكل زيادة مستدامة في الإنتاجية تعني أن العامل ينتج أكثر، وأن الشركة تحقق قيمة أعلى، وأن الاقتصاد ينمو بوتيرة أسرع دون الحاجة إلى زيادة مماثلة في الموارد.
ولهذا السبب كانت الإنتاجية دائماً العامل المشترك بين الاقتصادات التي حققت قفزات تاريخية طويلة الأمد.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت المملكة قادرة على الوصول إلى أربعة تريليونات دولار، بل ما إذا كانت قادرة على بناء عشرين إلى ثلاثين شركة سعودية عالمية جديدة خلال العقدين المقبلين في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والتعدين والخدمات المالية والصناعات الدفاعية والطاقة المتقدمة واللوجستيات والسياحة.
فإذا تحقق ذلك، فإن اقتصاد الأربعة تريليونات سيصبح نتيجة طبيعية لمسار أعمق بكثير من مجرد تحقيق رقم اقتصادي.
فالمشاريع العملاقة تستهلك رأس المال وتولد أصولاً، أما الشركات العملاقة فتولد إيرادات وفرص عمل وابتكاراً متجدداً، وتفتح أسواقاً جديدة وتبني حضوراً عالمياً للاقتصاد الوطني.
ويبقى التحدي البنيوي الأصعب هو استكمال الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد التنافسي.
فبناء اقتصاد تقوده الشركات المبتكرة ويتنافس على أساس الكفاءة والإنتاجية يتطلب تغييراً عميقاً في الحوافز والثقافة المؤسسية وأنماط التفكير الاقتصادي.
كما أن البيئة الجيوسياسية المحيطة تظل عاملاً مؤثراً في قرارات الاستثمار طويلة الأجل، وهو ما يجعل الاستقرار والإصلاح المؤسسي واستمرار السياسات التنموية عوامل بالغة الأهمية في الحفاظ على الثقة الاقتصادية.
وفي المحصلة، فإن اقتصاد الأربعة تريليونات ليس رقماً يُعلن عنه، بل مستوى من النضج الاقتصادي يُبنى عبر تراكم القرارات الصحيحة على مدى سنوات طويلة.
والتاريخ لا يكافئ من يملك الموارد فقط، بل من يحسن توظيفها ضمن مؤسسات فعالة ورؤية واضحة وإنتاجية متصاعدة.
والمملكة تمتلك اليوم رأس المال والموقع الجغرافي والشباب والإرادة السياسية والبنية التحتية المتطورة وسوقاً مالية تتقدم بثبات ومقومات سياحية استثنائية.
وما تحتاج إليه خلال المرحلة المقبلة هو تحويل هذه المزايا إلى إنتاجية أعلى، ومعرفة محلية أعمق، وشركات أكثر قدرة على المنافسة العالمية.
وعندما ننظر إلى عام 2040، فإن السؤال الذي سيحكم على نجاح هذا التحول لن يكون: كم بلغ الناتج المحلي الإجمالي؟ بل: كم شركة سعودية أصبحت لاعباً عالمياً؟ وكم تقنية طُورت محلياً؟ وكم منتجاً يحمل علامة صنع في السعودية استطاع أن يفرض نفسه في الأسواق الدولية؟ وكم مؤسسة وطنية نجحت في تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟ فإذا تحقق ذلك، فإن الأربعة تريليونات لن تكون الهدف الذي تحقق، بل الدليل على أن التحول الاقتصادي المنشود قد تحقق بالفعل، وأن المملكة انتقلت من اقتصاد يعتمد على وفرة الموارد إلى اقتصاد تقوده وفرة الفرص والإنتاجية والابتكار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك