تسبّب ارتفاع أسعار البنزين والديزل الناجم عن حرب إيران في موجة من الغضب والانتقادات للسياسات الحكومية وشركات النفط في العواصم الغربية.
وقد تمثلت ردة فعل الحكومات في البحث عن سياسات تخفف العبء عن الفئات الأكثر هشاشة وتضرراً، أما شركات النفط الكبرى فاعتبرت أن ارتفاع الأسعار هو جزء من سياسة تسعير عالمية، رافضة في الغالب وضع حد أقصى لأسعار منتجاتها في محطات الوقود.
لكن شركة واحدة هي" توتال إنرجيز" الفرنسية خالفت هذا الإجماع بين عمالقة النفط، وألزمت نفسها بقرار طوعي يضع حداً أعلى لأسعار الوقود في محطاتها البالغ عددها 3300 محطة في أنحاء فرنسا، وتعهّدت بمواصلة هذه السياسة طوال فترة استمرار النزاع في الشرق الأوسط.
وهي شركة النفط الغربية الوحيدة التي تحد من أسعار الوقود طوعاً.
ويقول تقرير نشرته صحيفة" وول ستريت جورنال"، اليوم، إن قرار" توتال إنرجيز" الذي يقتصر على حدود محطاتها وزبائنها في فرنسا، يعكس الخشية من اندلاع احتجاجات جماهيرية قادرة على شل فرنسا واستهداف الشركات التي تصطدم بالرأي العام.
وقد أثبت السائقون الفرنسيون الساخطون في السنوات الأخيرة أنهم قوة مؤثرة، خصوصاً مع إطلاق حركة" السترات الصفراء" احتجاجاً على زيادة مقترحة في ضرائب الوقود.
كما أن الأرباح المتزايدة لـ" توتال إنرجيز"، التي ارتفعت بنسبة 51% إلى 5.
8 مليارات دولار في الربع الأول من العام الجاري، جعلت الشركة هدفاً للانتقادات، وعززت الدعوات إلى فرض ضريبة استثنائية على الشركات المستفيدة من ارتفاع أسعار النفط.
وحتى الآن، ساعدت سياسة سقف الأسعار في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في فرنسا.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة باتريك بويانيه لوسائل إعلام فرنسية مؤخراً: " نقوم بذلك لأننا فرنسيون.
نحن وطنيون إلى حد كبير في هذا الشأن".
لكنه أضاف محذراً: " يجب أن نكون واضحين للغاية: إذا فُرضت ضريبة استثنائية على المصافي، فلن نتمكن من الإبقاء على سقوف الأسعار في محطاتنا داخل فرنسا".
ورغم هذه السقوف، يبقى الوقود في فرنسا أغلى بكثير منه في الولايات المتحدة.
إذ تبيع" توتال إنرجيز" البنزين بسعر 1.
99 يورو للتر، ما يعادل نحو 8.
50 دولارات للغالون، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 4.
22 دولارات للغالون في الولايات المتحدة.
ويعود الجزء الأكبر من هذا الفارق إلى الضرائب.
وفي بريطانيا، حيث تعالت الانتقادات الموجهة لشركات الطاقة التي حصدت أرباحاً" استثنائية" كبيرة من الحرب مثل" بريتش بتروليوم"، لم تتوجه الحكومة لإجبار تلك الشركات على اتباع سقف للأسعار، وإنما اكتفت بتفعيل ضريبة" الأرباح الاستثنائية"، أي الأرباح التي تحققها الشركات لظروف لا دخل لها فيها مثل اندلاع حرب أو اضطرابات مسارات الملاحة، وهو الحاصل الآن.
وفي الولايات المتحدة، لم تستجب شركات النفط الأميركية العملاقة مثل" إكسون موبيل" و" شيفرون" لضغوط الرأي العام بشأن ارتفاع أسعار الوقود منذ بداية الحرب.
كما أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تمارس ضغوطاً على القطاع، بل سعت إلى خفض الأسعار عبر إجراءات داعمة للصناعة، من بينها تعليق الضريبة الفيدرالية على البنزين.
ويقول مسؤولون تنفيذيون وخبراء اقتصاد إن سقوف الأسعار تأتي بنتائج عكسية لأنها تضعف إشارات السوق التي تشجع على زيادة الإنتاج والحد من الاستهلاك.
ونقلت" وول ستريت جورنال" عن وائل صوان، الرئيس التنفيذي لشركة شل: " نؤمن بأن إدارة اضطرابات الإمدادات تتطلب في النهاية وجود إشارات واضحة من جانب الطلب.
وإذا لم تجر إدارة الأمر بهذه الطريقة فستظهر تحديات كبيرة على المدى الطويل".
وتجاهلت" توتال إنرجيز" هذه النظرة التقليدية المناهضة لسقوف الأسعار لعدة سنوات.
فقد بدأت أكبر شركة تشغيل لمحطات الوقود في فرنسا بتحديد سقف للأسعار منذ عام 2023، عندما أدت الحرب في أوكرانيا والتعافي الاقتصادي العالمي بعد جائحة كوفيد-19 إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
ومنذ اندلاع الحرب مع إيران، رفعت الشركة سقوف الأسعار من 1.
94 يورو للتر لجميع أنواع الوقود إلى 1.
99 يورو للبنزين و2.
25 يورو للديزل.
وفي الشهر الماضي، خفضت سقف سعر الديزل إلى 2.
09 يورو خلال عدد من عطلات نهاية الأسبوع، كان آخرها يوم الأحد الماضي بمناسبة عيد الأم في فرنسا.
ورغم انتشار عمليات" توتال إنرجيز" حول العالم، فإن الشركة لا تزال تحتفظ بعلاقة وثيقة بفرنسا.
فمعظم كبار مسؤوليها التنفيذيين فرنسيون وتخرجوا من أرقى مدارس الهندسة في البلاد.
وتملك الشركة آلافاً من محطات الوقود خارج فرنسا، لكنها تقول إن سقوف الأسعار مخصصة للسائقين الفرنسيين فقط.
ومن المفارقات أن هؤلاء السائقين يمثلون أيضاً قوة مهمة بين مساهمي الشركة، إذ يمتلك الموظفون الفرنسيون 5.
5% من أسهمها، ما يجعلهم ثاني أكبر مساهم بعد" بلاك روك".
وأثارت هذه السياسة غضب مشغلي محطات الوقود الأصغر في فرنسا، الذين لا يملكون شبكة مصافٍ كتلك التي تملكها" توتال إنرجيز"، ويضطرون إلى شراء الوقود من السوق المفتوحة، ما يجعل من الصعب عليهم منافسة الأسعار المحددة من قبل الشركة.
وتستعد مجموعة من هؤلاء المشغلين لتقديم شكوى إلى السلطات الفرنسية تتهم فيها" توتال إنرجيز" بممارسة منافسة غير عادلة.
وفي العديد من المناطق الفرنسية، تقل الأسعار المحددة من قبل" توتال إنرجيز" عن أسعار منافسيها.
ووفقاً لبويانيه، كلفت هذه السياسة الشركة ما بين 400 و500 مليون يورو في عام 2023، أي ما يصل إلى نحو 580 مليون دولار.
ومع ذلك، قد يكون هذا المبلغ أقل بكثير من تكلفة فرض ضريبة استثنائية على الأرباح تحت ضغط الغضب الشعبي، وهو إجراء لا يزال يحظى بدعم سياسيين من أقصى اليسار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك