على أعتاب معبر رفح تكشف الستارة عن مشهد يفوق أعتى التراجيديات السينمائية؛ فعند تلك البوابة يعلم الوافدون أنهم لا يعودون إلى بيوتهم أو مدينتهم الجميلة، بل يزحفون نحو عدم جغرافي دمرته آلة الإبادة الصهيونية؛ معلنين بذلك فشل أعتى مشاريع الهندسة الديموغرافية التي تهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى قوة طاردة لسكانها.
بهذه العودة الملحمية، يمارس الغزي نفيا بأثر رجعي لكل الأكاذيب التي حاولت تشويه السردية الفلسطينية؛ فإن مشهد التزاحم على أبواب غزة المدمرة هو الرد الحاسم على فرية بيع أرض فلسطين عام 1948أسطورة البطل الذي اختار الرمادلقد راهنت آلة الحرب الإسرائيلية على أن تحطيم مقومات الحياة سيخلق رغبة جماعية بالهروب من قطاع غزة، لكن ما حدث كان مفارقة أذهلت الجميع؛ فلقد خلق طراز فريد من البشر؛ أناس يضحون بالعيش الرغيد والأمان خارج قطاع غزة، ليعودوا إليه وهم يعلمون يقينا أنهم سيخضعون لتحقيق مذل، وتفتيش ينتهك الخصوصية، وربما يُعتقلون، وفي نهاية المطاف سيقيمون على أرض لا تملك أدنى أساسيات العيش الإنساني، وتفتقر إلى أهم شيء، وهو عنصر الأمن والأمان.
هذا العائد ليس ساذجا، هو يدرك تماما أن بيته أضحى كومة من الحجارة، وأن مستقبله معلق على فوهة مدفع، لكنه يعود مدفوعا بوعي يتجاوز المنطق المادي؛ وعي يرى أن الكرامة فوق أنقاض الوطن أسمى من الذل في قصور الغربة.
وبهذه العودة الملحمية، يمارس الغزي نفيا بأثر رجعي لكل الأكاذيب التي حاولت تشويه السردية الفلسطينية؛ فإن مشهد التزاحم على أبواب غزة المدمرة هو الرد الحاسم على فرية بيع أرض فلسطين عام 1948.
إن هذا الإصرار على العودة إلى الركام ليس إلا ترجمة حقيقية لرغبة كل لاجئ فلسطيني بالعودة إلى قريته أو مدينته التي هجر منها قبل عقود، بل إنها البروفة الصادقة للعودة الكبرى.
فمن يعود إلى خيمة فوق أنقاض بيته اليوم، هو ذاته الذي يرغب بالعودة إلى يافا وعكا والمجدل مهما بلغت التضحيات، متسلحا بغريزة انتمائه التي لم تكسرها نيران البارود.
في تلك اللحظات التي تلت عودته، روى أبو محمد بصدق مرير ما حدث معه، إذ كان بإمكانه البقاء في الخارج، حيث الدواء والماء والغذاء والأمن، لكنه كان يشعر بأنه يعيش في" قفص مغلق"؛ قفص تضيق قضبانه كلما اتسعت مسافات البعد عن الأهل والترابحكاية أبو محمد العائد إلى الخيمةأتعلمون أن الفلسطيني العائد إلى غزة يستقبل بالأغاني والزغاريد لا بأحزان الفراق؟ هذا ما عشناه مرارا وتكرارا في نسيج مخيماتنا.
دعوني أروي لكم ما حدث قبل أيام؛ بينما كان الهدوء سيد الموقف، وبلا سابق إنذار، تعالت أصوات تتمازج فيها التكبيرات مع الزغاريد.
خرجنا نتتبع مصدر الصوت، فإذا بأبي محمد محمولا على الأكتاف ويلتحف الكوفية الفلسطينية، وفرحة عودته إلى أرض غزة تفيض من عينيه وعيون ذويه؛ هذا المشهد يجسد عبق التاريخ ونشوة معانقة الأرض.
وأكثر ما استوقفني حينها هي صيحاته في جموع المهنئين، التي اختزلت فلسفة شعب بأكمله، عندما صرخ بمرارة وصدق: " بدي أموت بغزة ولا الغربة.
الموت ولا الغربة، مرة مليون مرة".
وفي تلك اللحظات التي تلت عودته، روى أبو محمد بصدق مرير ما حدث معه، إذ كان بإمكانه البقاء في الخارج، حيث الدواء والماء والغذاء والأمن، لكنه كان يشعر بأنه يعيش في" قفص مغلق"؛ قفص تضيق قضبانه كلما اتسعت مسافات البعد عن الأهل والتراب.
بالنسبة له، الموت ممتزجا بتراب غزة هو اكتمال للروح، بينما الحياة في الغربة هي تفتيت للذاكرة والذات.
وأخبرنا بعد ذلك أنه أثناء خضوعه للتحقيق المظلم عند المعبر، طرح عليه أحد جنود الاحتلال سؤالا يحمل في طياته ذهول الغازي: " لماذا أنت عائد إلى غزة؟ " وكأنه يسأله: لماذا تعود إلى الجحيم؟فرد عليه أبو محمد: " راجع لأولادي وأهلي وعيلتي ووطني…".
هذا الرد هو إعلان انتصار للحق الإنساني على الآلة الاستعمارية الإحلالية؛ فالسنتان اللتان قضاهما الرجل في مصر للعلاج لم تكونا نجاة له، بل كانتا سنتين من الحسرة والغربة.
سيبقى معبر رفح شاهدا على تلك الحقيقة الخالدة: إن الفلسطيني لا يهرب من قدره، بل يهرع إليه محملا بالحنين؛ ليزرع روحه في رمال وطنهإن عودة الغزي إلى ركامه هي الشهادة الكبرى على أن الوطن في الوعي الفلسطيني ليس سقفا ولا جدرانا، بل هو أثر وأهل وانتماء وذكريات وتاريخ وحضارة.
ومن مفارقات القدر أن الاحتلال حين أراد كسر إرادة البقاء والانتماء للوطن لدى الشعب الغزي، أنتج أيقونة عالمية للصمود، وصنع من كل عائد إلى غزة بطلا أسطوريا عجزت قواميس السينما العالمية عن استيعاب مفردات قصته.
وعليه سيبقى معبر رفح شاهدا على تلك الحقيقة الخالدة: إن الفلسطيني لا يهرب من قدره، بل يهرع إليه محملا بالحنين؛ ليزرع روحه في رمال وطنه، مؤكدا أن الأرض التي رويت بالدم لا يمكن أن تقايض بالذهب أو تنسى في تيه الغربة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك