يقدم هذا المقال محاولة لفهم طبيعة القضايا التي من الممكن أن تؤثر على دور الاتفاق المزمع عقده بين الأطراف المنخرطة في النزاع الأخير، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بين القيام بدور أساسي في وقف الحرب الدائرة والعودة إلى ما قبل أزمة هرمز مقابل دور نسبي وأقل فاعلية في منع الانتشار النووي، أو دور أساسي في منع الانتشار النووي، ونسبي ومرحلي في منع انتشار الحرب، أو كليهما وبفاعلية.
لذلك، فإن الاقتراب من محاولة الفهم هذه يستوجب استدعاء ونقاش قضايا تسهم كليا أو جزئيا في تحقق شكل وطبيعة الدور الذي سيقدمه الاتفاق، كالشمولية، والضمانات، والمصالح القومية.
كما يتطلب ذلك الاستدعاء أيضا ضرورة اعتبار أدوار مجموعة من الفاعلين المنقسمين حول الاتفاق بين: الراغبين، والمخربين، والمستفيدين، والضامنين.
في مرحلة ما، قد تشكل حالة الشمولية هذه تحديا للفاعلين الضامنين المتوقعين كالأمم المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، ودول الوساطة: باكستان وقطرالشمولية والتعدد في الاتفاقتخبرنا بعض التسريبات التي رشحت حول بعض البنود الجاري التفاوض عليها بوجود حالة من ازدحام القضايا البارزة للأطراف جميعا، كل حسب مصلحته وتصوره، حيث يمكن القول إنها عديدة ومتنوعة إلى حد كبير، وتشمل قضايا التسلح النووي، والعقوبات الاقتصادية على إيران وما يتصل بها من مطالبات الرفع وغموض الاستجابات، وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب، ووقف جبهات المواجهة المفتوحة إسرائيليا في لبنان، ومطالبات التعويض بشكل منفصل عن الأرصدة المجمدة، وتطول القائمة حول هذا وذاك.
ومن المحتمل أن تؤدي هذه الشمولية وتعدد مستويات القضايا المعقدة إلى تشتت في التركيز وتوزيع غير متساو للالتزامات، إلى جانب بروز أولويات في نطاق الاتفاق ذاته من حيث درجة التمسك بالقضايا التي تعتبر بارزة لطرف على حساب آخر، وتراخ في التعاطي مع طرف إذا أظهر التزاما أقل بقضية ما تستوجب التزاما أكبر.
كما أن تعدد الالتزامات في الاتفاق قد يعطي مساحة من المراوغة السياسية، بحيث يظهر طرف حالة من" المكر الإستراتيجي" ليخدع طرفا آخر، وينزع قدرته على فاعلية تتبع مدى الالتزام المتساوي لكافة القضايا؛ لاعتبارات ميل الدول إلى النزوع نحو التحرر من التزامات مفروضة تقيد عملية انسياب تحقيق المصالح، وتحقيق الشرعية الوطنية والدولية.
في ظل هذا التنوع الشمولي، وبالرغم من حرص الفاعلين الراغبين كالولايات المتحدة وإيران، قد يؤثر بعض الفاعلين، كالمخربين، في درجة التماسك والالتزام و" التحرش" بطريقة تدفع أطرافا بعينها للتحلل من التزاماتها، وبالتالي العودة إلى حالة ما قبل الاتفاق، حيث يمكن اعتبار قضية الشمولية والتعدد مدخلا للمراوغة، ومؤشرا لاحتمالات خرق الاتفاق أو عدم استدامته.
وفي مرحلة ما، قد تشكل حالة الشمولية هذه تحديا للفاعلين الضامنين المتوقعين كالأمم المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، ودول الوساطة: باكستان وقطر.
وهذا بدوره يؤدي إلى تأثر الفاعلين المستفيدين من إبرام الاتفاق أو عدمه، وصلب تركيزه على امتداد انتشارهم الجغرافي بالنظر إلى آثار إغلاق هرمز، وانعكاسات الحرب على العالم بشكل عام.
من المحتمل أن تشكل قضية الضمانات عاملا مساعدا في إبرام اتفاق بلحظة معينة دافعة، لكنها قد تفتر أو تتلاشى درجة التزام طرف أو أكثر بها في مرحلة ما، وقد يشكل هذا حالة عدوى قد تصيب طرفا ضامنا أو أكثر من خارج الاتفاق، في وقت قد يبدو لهم فيه أن الوضع القائم لم يعد مفيدا أو داعما لحيوية المصالح القوميةبالنتيجة، قد تسهم قضية الشمولية والتعدد في إنشاء حالة مزدوجة لدى الأطراف فيما يتصل بالمطالبة بالضمانات، وباتجاهين.
ففي الوقت الذي تطلب فيه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، وإسرائيل بشكل غير مباشر، ضمانات وتعهدات من إيران والوسطاء تتعلق بشكل أساسي بالملف النووي، ومضيق هرمز، نجد أن إيران بدورها تطلب أيضا ضمانات تتصل بمنع الاعتداء عليها مستقبلا، والحصول على أموالها المجمدة، والخروج من العزلة الدولية.
قد يبدو هذا منطقيا باتجاهين، لا سيما أن التفاوض يقوم على محاولة الوصول إلى صيغ وتفاهمات بينية مباشرة وثلاثية ضامنة.
ولكن قد تبرز هنا حالة من غياب ثقة الأطراف بعضهم ببعض بالاستناد إلى تجارب تاريخية.
فعلى سبيل المثال، تحررت الولايات المتحدة في ظل قيادة جمهورية ترامبية عام 2018 من الضمانات والالتزامات بالاتفاق النووي بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بين إيران ومجموعة (5+1) عام 2015، في توجه أسهم في نزع فكرة الالتزامات المؤسسية والمنهجية في إطار المصلحة القومية الأمريكية، وإبراز الولاء الحزبي، وتبني هواجس وطموحات نتنياهو، مكررة ذلك بنقض مفهوم التفاوض ومقتضياته وأخلاقياته، والاعتداء على الطرف المفاوض الإيراني أكثر من مرة.
مقابل ذلك، يمكن اعتبار حالات تاريخية عندما تحررت إيران من بعض التزاماتها النووية، وفاجأت العالم غير مرة بامتلاكها مخزونا من اليورانيوم عالي التخصيب وبكميات معقولة.
هنا، والحديث عن الضمانات باتجاهين، من سيضمن سلوكا منضبطا إسرائيليا أو أمريكيا أو حتى إيرانيا في مرحلة ما إذا تغيرت الظروف التي أنتجت أو ستنتج الاتفاق المرتقب؟لنأخذ في الاعتبار هنا انهيار الاتفاق النووي السابق بالرغم من ضمانات أممية وأمريكية وأوروبية وصينية وروسية.
من المحتمل أن تشكل قضية الضمانات عاملا مساعدا في إبرام اتفاق بلحظة معينة دافعة، لكنها قد تفتر أو تتلاشى درجة التزام طرف أو أكثر بها في مرحلة ما، وقد يشكل هذا حالة عدوى قد تصيب طرفا ضامنا أو أكثر من خارج الاتفاق، في وقت قد يبدو لهم فيه أن الوضع القائم لم يعد مفيدا أو داعما لحيوية المصالح القومية.
إن تقاطع المصالح الدولية يفرض على الدول ضرورة إعادة إنتاج المصالح، أو تشكيلها، أو تعريفها بطريقة تجنبها الصراع مع أطراف تلتقي وتتنافس معها على المصلحة ذاتهاتضارب المصالح وحالة الاستعصاءتمارس المصالح القومية في أحيان كثيرة دور البوصلة في تحديد اتجاهات سلوك الدول، وخاصة ضمن بيئة النظام الدولي.
يعتبر مفهوم المصلحة القومية من أكثر المفاهيم جدلية ومرونة في الأدب السياسي، بحيث يتم اللجوء إليه أحيانا لإضفاء طابع الشرعية أو المقبولية على سلوكيات معينة قد لا تعتبر مقبولة من قبل بعض الفاعلين المقابلين.
إن تقاطع المصالح الدولية يفرض على الدول ضرورة إعادة إنتاج المصالح، أو تشكيلها، أو تعريفها بطريقة تجنبها الصراع مع أطراف تلتقي وتتنافس معها على المصلحة ذاتها.
في هذا السياق، لدينا ثلاث قوائم من المصالح القومية، تحاول الدول المتفاوضة تحقيقها بطريقة تضمن انتهاء الوضع القائم، وإظهارها بلباس المنتصر، وتصوير المخرج بطريقة أنه لا ينتج إلا من خلال قوة صلبة فاعلة، وضمان الردع، والتعاطي مع الداخل المجتمعي السياسي والاقتصادي.
في سياق التفاوض على الاتفاق، لا شك أن هناك مصالح أساسية لثلاثة أطراف؛ حيث تكمن المصلحة القومية الأمريكية، حسب ما يعلن وحسب ما يستنبط، في وقف الحرب الدائرة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم كمية 440 كيلوغراما، وحفظ أمن إسرائيل، والخروج بهامة مرفوعة أمام العالم والداخل الأمريكي.
في حين تتمثل المصالح القومية الإيرانية في حفظ الحقوق النووية المتعلقة بالتخصيب الجزئي لأغراض الاستخدامات السلمية، ورفع الحصار البحري، ووقف الاعتداء على لبنان، ووقف الحرب ولكن بطريقة لا تظهرها وكأنها تتوق لذلك بلهفة، بقدر ما تفيد في محاولة إيصال رسائل بحجم كلفة الاعتداء عليها مجددا، إضافة إلى ما يتصل بالتعويضات والإفراج عن الأرصدة المجمدة.
وبشكل غير مباشر، تتسق المصلحة الإسرائيلية إلى حد كبير مع المصالح الأمريكية، مضافا إليها تقييد البرنامج الصاروخي الباليستي الذي أمطر إسرائيل بوابل من الصواريخ الدقيقة متعددة الأحجام والتأثير.
إن هذه الدرجة من التعقيد نتيجة تعارض المصالح الثلاثية لا تزال تعمل على تأخير التوصل إلى اتفاق، وتقدح في صلب الثقة المتآكلة والمتبقية بعد اختبارها أكثر من مرة.
هنا تأتي فكرة صعوبة التوفيق بين المصالح للأطراف الثلاثة بشكل مطلق نتيجة لاختلاف تصورات الأطراف لمصالحهم ومصالح غيرهم، مدفوعة بصورة طرف يقود العالم، وطرف يدافع عن حقه، وثالث يستهويه إشعال الحرائق في المنطقة.
وبالتالي، فإن تمسك طرف بمصالحه القومية العليا قد لا يروق للآخر، والعكس صحيح، وهذا يتطلب من الأطراف محاولة إعادة تصنيف أو ترتيب المصالح من حيث الأهمية، وما تلك التي يمكن تأخير البت فيها أو التسامح بتحققها، ولو جزئيا، وتلك الأخرى الممنوعة من التحقق.
المقاربة الأمريكية الإسرائيلية تجاه البرنامج النووي الإيراني قد تثير النقاش أيضا حول مدى تقبل فكرة التسلح النووي لدى بعض الدول؛ لخلق حالة من الردع تمنع الاعتداءات عليها كما حصل مع طهران، وبالتالي أنتجت قناعة وفعلا عكسيا بأن اقتناء السلاح النووي قد يشكل مانعا من الاعتداءفي ظل استحضار التجارب السابقة في السياق النووي، والمقاربات المختلفة التي من الممكن أن تنتهجها فواعل طامحة، يمكن القول إن قضايا الشمولية، والضمانات، والمصالح المحيطة بسياق التفاوض قد تؤدي إلى حالة مساعدة في اتفاق مرحلي ينهي حالة الحرب المجمدة مرحليا، ويظهر نوايا الالتزام لمغادرة هذا الوضع المعقد بشكل أساسي، كما يسهم في رسم صورة جديدة حول مدى فاعلية استخدام القوة والضغوط القصوى اللاحقة في منع الانتشار النووي، وليس العكس، ولو بشكل مؤقت.
وهذا قد يثير النقاش حول مستقبل ومدى فاعلية نظام منع الانتشار النووي الحالي والمشكل من معاهدات ومؤسسات دولية، وبشكل أساسي معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) لعام 1968، والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).
كما يتكون النظام أيضا من معاهدات ومبادرات أخرى، مثل: اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية (CPPNM)، والمناطق الخالية من الأسلحة النووية (NWFZ)، ومنطقة الشرق الأوسط الخالية من أسلحة الدمار الشامل (MEWMDFZ)، ومجموعة موردي المواد النووية (NSG)، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)، وقرار مجلس الأمن رقم (1540).
كما أن المقاربة الأمريكية الإسرائيلية تجاه البرنامج النووي الإيراني قد تثير النقاش أيضا حول مدى تقبل فكرة التسلح النووي لدى بعض الدول؛ لخلق حالة من الردع تمنع الاعتداءات عليها كما حصل مع طهران، وبالتالي أنتجت قناعة وفعلا عكسيا بأن اقتناء السلاح النووي قد يشكل مانعا من الاعتداء.
ولكن قد يقول قائل إن مثل هذا التفكير قد يقود إلى اعتداءات مماثلة على من يتبنى هذه الفكرة.
قد يبدو هذا مقبولا نسبيا، ولكن يمكن القول إن الاختلاف بين الحالة الإيرانية والحالات الأخرى التي نجحت بامتلاك السلاح النووي يكمن في شكل المقاربة التي استخدمتها تلك الدول النووية، وتلك التي قد تستخدمها الدول الطامحة.
كما أن نشوء ظروف غير متوقعة قد يعصف بالتفاهمات، وبما هو متعارف ومتفق عليه أمميا في المستقبل.
وبالنتيجة، يمكن أن يشكل هذا أيضا، وبطريقة ما، تحولا في التفكير الإستراتيجي لدى بعض الدول؛ من الطموحات النووية إلى الطموحات البيولوجية والكيميائية لتحقيق ردع نسبي بالنظر إلى مقارنة كيفية الحصول عليها، على الرغم من فارق التأثير بينها، ولكن تبقى فكرة أسلحة الدمار الشامل بحد ذاتها فكرة منبوذة قيميا وأخلاقيا وإنسانيا.
على الرغم من أهمية منع الانتشار النووي، وبشكل أوسع منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومحاولة منع إيران من امتلاك السلاح النووي" حسب السردية الأمريكية والإسرائيلية" مقابل النفي الإيراني، إلا أن جمود الفكرة وإعادة إحيائها مستقبلا يبقى واردا سواء ضمن السياق الحالي أو الأوسع إقليميا ودوليا.
لذلك، من المحتمل أن يسهم الاتفاق المرتقب بدور أساسي في وقف الحرب الدائرة والعودة إلى ما قبل أزمة هرمز، مقابل دور نسبي وأقل فاعلية في منع الانتشار النووي عموما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك