- واشنطن تدفع بمشروع قرار يطالب طهران بالكشف عن مصير موادها النووية.
وموسكو تتهم الولايات المتحدة بتقويض التعاون مع الوكالة- مدير الوكالة الذرية: هناك مخاوف متصاعدة حول أمن زابوريجيا النووية وتوسع برنامج كوريا الشماليةأعاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، الاثنين، الملف النووي الإيراني إلى صدارة المخاوف الدولية، محذراً من أن الوكالة فقدت منذ نحو عام القدرة على التحقق من مصير مئات الكيلوجرامات من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، في وقت تتحرك فيه الولايات المتحدة داخل مجلس محافظي الوكالة لاستصدار قرار جديد يطالب طهران بالكشف عن مصير موادها النووية ومواقعها التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة.
وفي افتتاح الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة في فيينا، رسم جروسي صورة مقلقة بشأن الوضع النووي الإيراني، معتبراً أن الحرب التي اندلعت في يونيو 2025 بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ألحقت أضراراً عميقة بمنظومة الرقابة الدولية وأثارت مخاوف متزايدة بشأن الانتشار النووي.
وقال إن الوكالة أوقفت في فبراير الماضي جميع أنشطة التحقق الميداني داخل إيران بسبب الظروف الأمنية المرتبطة بالحرب، ولم تتمكن إلا الأسبوع الماضي من تنفيذ أول عملية تفتيش محدودة منذ أشهر في محطة بوشهر النووية المطلة على الخليج.
وأضاف أن بوشهر تبقى المنشأة الإيرانية الوحيدة التي تمكن مفتشو الوكالة من الوصول إليها خلال الفترة الأخيرة، فيما بقيت بقية المواقع النووية خارج نطاق الرقابة المباشرة.
وأوضح جروسي أن الوكالة فقدت" استمرارية المعرفة" بشأن المواد النووية التي كانت موجودة في المنشآت الإيرانية التي تعرضت لهجمات عسكرية خلال العام الماضي، مشيراً بصورة خاصة إلى نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب الذي لم يعد بإمكان الوكالة التحقق من وضعه أو أماكن وجوده.
وقال إن غياب الوصول إلى تلك المنشآت منذ يونيو 2025 أثار" مخاوف انتشار نووي" حقيقية، لأن المواد التي فقدت الوكالة القدرة على التحقق منها تشمل كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة.
ويُعد هذا المخزون القضية الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني، إذ تشير تقديرات الوكالة إلى أن هذه الكمية، إذا جرى رفع نسبة تخصيبها إلى نحو 90 في المئة، قد تكون كافية نظرياً لإنتاج ما يصل إلى عشرة أسلحة نووية.
وأكد جروسي أن الوكالة لم تعد قادرة حالياً على التحقق من تنفيذ إيران للقيود المفروضة عليها بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس المحافظين، سواء في ما يتعلق بعمليات التخصيب أو إعادة المعالجة أو الأنشطة المرتبطة بالماء الثقيل.
كما أشار إلى أن طهران لم تستأنف التعاون مع الوكالة بشأن الملفات العالقة المرتبطة بأنشطة نووية سابقة غير معلنة، داعياً السلطات الإيرانية إلى الانخراط بصورة بناءة مع المفتشين الدوليين.
وتزامنت تحذيرات جروسي مع تحرك أمريكي جديد داخل مجلس المحافظين، حيث وزعت واشنطن مشروع قرار يطالب إيران بتقديم معلومات فورية ومفصلة حول مصير المواقع النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة، وكذلك حول المواد النووية التي كانت مخزنة فيها.
وبحسب مشروع القرار الذي جرى تداوله بين الدول الأعضاء، تسعى الولايات المتحدة إلى إلزام طهران بتزويد الوكالة بمعلومات دقيقة حول المواد النووية والمنشآت الخاضعة للضمانات الدولية، ومنح المفتشين الصلاحيات اللازمة للتحقق من تلك المعلومات دون تأخير.
ورغم أن مشروع القرار لا يتضمن في مرحلته الحالية إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، فإن دبلوماسيين في فيينا يرون أنه يمثل تصعيداً سياسياً جديداً ضد طهران، وقد يزيد من تعقيد المحادثات الجارية بين إيران والولايات المتحدة بشأن تمديد وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع تتناول البرنامج النووي.
وكان مجلس المحافظين قد أصدر في نوفمبر الماضي قراراً طالب إيران بالكشف عن وضع مخزونها من اليورانيوم المخصب والمنشآت التي تعرضت للهجمات، إلا أن الوكالة تؤكد أن هذه المعلومات لم تقدم بصورة كافية حتى الآن.
وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين على هامش الاجتماعات، شدد جروسي على أن مصير اليورانيوم عالي التخصيب سيبقى القضية المركزية في أي اتفاق مستقبلي.
وقال إن الخيارات المطروحة تشمل إبقاء المواد داخل إيران تحت رقابة دولية مشددة، أو نقلها إلى دولة أخرى، أو اعتماد ترتيبات فنية مختلفة يتم الاتفاق عليها سياسياً.
لكنه أكد أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي تسوية مقبلة، مضيفاً أن" الاتفاقات التي لا تتضمن آلية تحقق ومراقبة من الوكالة لا يمكن أن تصمد أمام التدقيق الدولي".
وفي المقابل، انتقدت روسيا التحرك الأمريكي، إذ اعتبر المندوب الروسي لدى الوكالة أن الضغط على إيران في هذه المرحلة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد.
وقال إن الوكالة كانت تتمتع بإمكانية الوصول إلى المواقع النووية الإيرانية قبل الحرب، معتبراً أن العمليات العسكرية هي التي أدت إلى انهيار منظومة التعاون والرقابة القائمة آنذاك.
وتعارض موسكو وبكين بصورة منتظمة القرارات الغربية المتعلقة بإيران داخل مجلس المحافظين، محذرتين من أن الضغوط السياسية قد تدفع طهران إلى تقليص تعاونها أكثر مع الوكالة.
** مخاطر على الأمان النووي في أوكرانياوبعد الملف الإيراني، خصص جروسي جزءاً مهماً من كلمته للتحذير من الأخطار المتزايدة التي تهدد المنشآت النووية في أوكرانيا.
وقال إن الوضع في محطة زابوريجيا النووية، الأكبر في أوروبا، لا يزال بالغ الهشاشة، مشيراً إلى أن المحطة تعتمد منذ أشهر على خط كهرباء احتياطي واحد فقط بعد تضرر خطوط الإمداد الرئيسية نتيجة العمليات العسكرية.
وأوضح أن الوكالة نجحت الجمعة في التوسط للتوصل إلى وقف إطلاق نار محلي جديد بين روسيا وأوكرانيا يسمح بإصلاح خط الكهرباء الرئيسي المغذي للمحطة، لكنه أشار إلى أن أعمال الصيانة تأخرت بعد إصابة عدد من العسكريين الروس خلال عمليات إزالة الألغام في المنطقة.
وأضاف أن المحطة تعرضت خلال الأيام الماضية لانقطاع جديد للكهرباء الخارجية استمر نحو خمس عشرة ساعة، ما استدعى تشغيل مولدات الديزل الطارئة لتبريد المفاعلات الستة المتوقفة عن العمل.
كما كشف أن طائرة مسيرة اخترقت قبل أيام مبنى التوربينات في المحطة، فيما تواصل فرق الوكالة رصد أنشطة عسكرية مكثفة في محيط الموقع.
وفي تطور آخر، أعلن جروسي أن طائرة مسيرة أصابت الأحد منشأة التخزين المركزي للوقود النووي المستهلك في منطقة تشيرنوبيل، متسببة بأضرار كبيرة في أحد المباني التابعة للمجمع النووي، بما في ذلك مكتب الضمانات التابع للوكالة.
ورغم عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي، شدد جروسي على أن استهداف منشآت تحتوي على كميات كبيرة من المواد النووية يشكل خطراً بالغاً على السلامة النووية العالمية.
كما أشار إلى أن الوكالة تتابع عن كثب الهجوم الذي استهدف الشهر الماضي محطة براكة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي أدى إلى تضرر منشآت كهربائية مرتبطة بالمحطة دون أن يتسبب في أي تسرب إشعاعي.
وقال إن زيارته الأخيرة إلى دول الخليج أظهرت حجم القلق الذي يسود المنطقة بشأن أمن المنشآت النووية في ظل استمرار التوترات العسكرية.
** توسع النشاط النووي في كوريا الشماليةوفي آسيا، أعرب جروسي عن قلق متزايد من التطورات المرتبطة بالبرنامج النووي الكوري الشمالي.
وأشار إلى أن الوكالة رصدت مؤشرات قوية على توسع أنشطة تخصيب اليورانيوم في منشآت يونجبيون وكانجسون، بعدما أظهرت صور حديثة نشرها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون أجهزة طرد مركزي ومنشآت إنتاج جديدة للمواد النووية.
وقال إن استمرار تطوير البرنامج النووي الكوري الشمالي يمثل انتهاكاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ويثير قلقاً بالغاً لدى المجتمع الدولي.
أما في الملف السوري، فأكد المدير العام للوكالة أن التعاون مع السلطات الجديدة في دمشق يتقدم بصورة إيجابية.
وقال إن الحكومة السورية تواصل إبداء مستوى عالياً من الشفافية والتعاون بشأن الملفات المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة، وإن الوكالة تستعد لاستئناف أعمال ميدانية إضافية في موقع دير الزور عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك.
وختم جروسي بالتأكيد أن الحروب والنزاعات المسلحة باتت تشكل أحد أكبر التهديدات للأمن النووي العالمي، مشدداً على أن الطريق الوحيد المستدام لمعالجة الأزمات النووية في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا يمر عبر الحوار والدبلوماسية والعودة إلى آليات الرقابة الدولية الفعالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك