أخطر ما يهدد الدول ويجعلها تستسلم وتتحول إلى دول فاشلة هو إخفاق استراتيجياتها على المدى البعيد.
يطلق الاستراتيجيون مفهوم الهزيمة الاستراتيجية على ما يحدث لدولة حين ترسم استراتيجية معينة للمستقبل، وتعمل على تجسيدها خلال ثلاثين أو عشرين سنة، ثم تكتشف، في النهاية، أن تلك الاستراتيجية فاشلة أو مستحيلة التطبيق أو أن هناك عوامل خارجية افشلتها.
من الأمثلة الواقعية لدولة تلقت هزيمة استراتيجية هذه السنة 2026م- نذكر نظام المخزن.
كانت سنة 2026م وِبالًا على المغرب، حيث تعرّض لمجموعة من الإخفاقات الاستراتيجية التي ستكون عواقبها كارثية في المستقبل القريب.
الإخفاق الاستراتيجي الأول: انطلاق العمل في تجسيد الأنبوب الجزائري-النيجيريمنذ سبعينات القرن الماضي والجزائر تُفكر في مد أنبوب ناقل للغاز يربطها بنيجيريا الشقيقة، وتستفيد منه الدول الإفريقية الحبيسة والمعزولة مثل مالي، النيجر، تشاد، وتستفيد منه، أيضا، اوروبا.
في سنة 2002م، تم إحياء فكرة أنبوب الغاز العابر للقارة الإفريقية من جديد، وفي سنة 2006م بدأت دراسة تفاصيل تجسيد هذا المشروع.
هذا المشروع اصاب نظام المخزن بالغيرة، وفي سنة 2016م، وفي محاولة لعرقلته أو إفشاله-مشروع الأنبوب العابر لإفريقيا- اقترح المغرب على نيجيريا مد انبوب موازٍ يمر عبر الساحل الأطلسي.
فكرة مد هذا الأنبوب المغربي، رغم أن الجميع اعتبره أضحوكة، ومجرد حديث خرافة جعل منه نظام المخزن استراتيجية، وبشّر المغاربة أن الغاز سيدخل إلى بيوتهم بحلول سنة 2030م، وأصبحت حكومة الرباط تتجرأ وتقول أن المغرب أصبح بلدا من البلدان التي تتبوأ مراتب متقدمة في توزيع الغاز في العالم.
بعد عشر سنوات من التطبيل والتصفيق والرقص والمناورات انقطع حبل الكذب، وبدأ تجسيد الأنبوب الجزائري-النيجيري، وتلقى المغرب هزيمته الاستراتيجية الأولى بالتخلي عن مشروعه الوهمي.
الإخفاق الاستراتيجي الثاني: هزيمة المشروع المغربي الصهيوني في شمال غرب إفريقيافي سنة 2020م، اعترف ترامب للمغرب، عن طريق تويتر، بالحكم الذاتي مقابل أن يطبّع القصر الملكي العلاقات مع الكيان الصهيوني ويتم تنفيذ مشروع مغربي-صهيوني في شمال غرب إفريقيا يبدأ بالضغط على موريتانيا ثم ينتقل إلى مالي والنيجر وتتم محاصرة الجزائر باعتبارها بلد الممانعة القوي في المنطقة.
حوّل المخزن اعتراف ترامب له بالحكم الذاتي وتعاون الكيان الصهيوني معه إلى مشروع استراتيجي كبير، وبدأ يحلم “بخريطة المغرب الكبير”، وبالسيطرة على المنطقة.
بعد ست سنوات من محاولة تطبيق هذه الاستراتيجية التوسعية في شمال غرب إفريقيا، تحوّل الحلم إلى سراب للأسباب التالية: أولا، هزيمة الكيان الصهيوني ضد إيران وضد المقاومة الفلسطينية اللبنانية؛ ثانيا، رفض موريتانيا قبول الانخراط في المشروع المفخخ؛ ثالثا، عدم قدرة النظام الانقلابي في مالي القيام بالدور الوظيفي الموكل له بزعزعة استقرار الجزائر.
فبعد الانطلاق في مشروع أنبوب الغاز النيجيري-الجزائري، سال لعاب مالي، وبكل تأكيد أن أي نظام سيحل محل نظام غويتا سيسارع إلى اتباع طريق النيجر التي تعاملت ببراغماتية وانضمت إلى اتفاقية المشاركة في الأنبوب المذكور.
الاخفاق الاستراتيجي الثالث: فشل المبادرة الأطلسيةفي سنة 2023م، حاول المخزن تسويق للمغاربة ولبعض الدول الإفريقية مشروعا خياليا غير واقعي سماه ” المبادرة الأطلسية لتمكين دول وسط إفريقيا من الولوج إلى المحيط الاطلسي”، لكن بعد ثلاث سنوات من التطبيل لهذه الاستراتيجية انتهى بها المطاف في الأرشيف للأسباب التالية: أولا، الدول التي تشملها هذه الاتفاقية لا ترى أية فائدة منها؛ ثانيا، رفض موريتانيا، بلد العبور، الانضمام لها لعدم جدوايتها ولمشاركة الكيان الصهيوني فيها؛ ثالثا، خروج النيجر منها ولانضمام لمشروع أنبوب الغاز النيجيري-الجزائري؛ رابعا، عجز مالي عن دعم المغرب والكيان الصهيوني، وانشغالها بمشاكلها الداخلية.
الاخفاق الاستراتيجي الرابع: فشل الحكم الذاتي في الصحراء الغربيةمنذ حوالي عشرين سنة، وبالضبط منذ سنة 2007م، تبنى المغرب مشروع استراتيجي خاص بحسم قضية الصحراء الغربية لصالحه، وأعد مشروعا سماه الحكم الذاتي، وظل يترجى الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تدعمه، لكنها كلها رفضت ما عدا إدارة ترامب.
الفرصة الوحيدة التي رأى المغرب إنها فرصة العمر لتقديم مشروعه ” الاستراتيجي” المذكور لمجلس الأمن كانت يوم 31 أكتوبر 2025م، لكن المشروع لم ينجح وتم تقييده في قرار 2797 بعدة شروط مثل: أولا، التفاوض حوله وشرط قبول الشعب الصحراوي له، وهذا فشل منذ البداية لأن الطرف الصحراوي رفض مناقشة الحكم الذاتي؛ ثانيا، تم تقييده بتقرير المصير وهذا يعني أن الاستفتاء لازال قائما؛ ثالثا، لم يحدث حوله إجماع في مجلس وامتنع عضوان من الذين يتمتعون بحق الفيتو عن التصويت عليه-الصين وروسيا-.
كل هذه الأسباب تجعل أن هذا المشروع المغربي ” الاستراتيجي” مشروعا فاشلا، ولن يتم تقديمه مستقبلا ما دام فشل في مجلس الأمن.
إن هذه الاخفاقات الاستراتيجية المغربية، مضافة إليها إخفاقات أخرى كثيرة لا مجال لذكرها مثل فشل اتفاقات ابراهام، فشل دعم دولي للحكم الذاتي، في سنة واحدة، تجعل الرباط تتعرض لصدمات ونكسات مستقبلية كثيرة على المستوى السياسي والاقتصادي يصعب الخروج منها أو إيجاد البدائل لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك