لطالما شكّل الاقتصاد الأميركي السلاح الأقوى في ترسانة الرئيس دونالد ترامب السياسية، فعلى امتداد مسيرته نجح في تقديم نفسه للناخبين باعتباره رجل الأعمال الملياردير القادر على إدارة الاقتصاد وتحفيز النمو وخفض الضرائب وخلق الوظائف.
إلا أن هذه الميزة التي ساعدته على استعادة البيت الأبيض تبدو اليوم في مواجهة اختبار غير مسبوق، مع تصاعد تداعيات الحرب على إيران وعودة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة، ما انعكس مباشرة على شعبية الرئيس وثقة الأميركيين بأدائه الاقتصادي.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بدأت المؤشرات السياسية والاقتصادية تتقاطع بصورة مقلقة بالنسبة للبيت الأبيض والحزب الجمهوري.
فاستطلاعات الرأي الأخيرة تظهر تراجعاً ملحوظاً في ثقة الناخبين بإدارة ترامب للاقتصاد، وهو المجال الذي ظل لسنوات مصدر قوته الأساسية في مواجهة خصومه الديمقراطيين، حسب ما تلاحظ بلومبيرغ في تقرير موسع لها اليوم الاثنين حول هذا الموضوع، مشيرة إلى أن هذه التحولات تأتي في وقت تشهد فيه الأسواق الأميركية حالة من القلق بسبب استمرار التوترات في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وما نتج عنها من ارتفاع أسعار النفط والوقود داخل الولايات المتحدة.
وأصبح الأميركيون يشعرون مجدداً بوطأة تكاليف المعيشة بعد فترة من الانفراج النسبي، الأمر الذي يعيد ملف التضخم إلى صدارة أولويات الناخبين.
وتتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى بيانات التضخم الأميركية المنتظر صدورها، وسط توقعات بارتفاع معدل التضخم السنوي في الاقتصاد الأميركي إلى أكثر من 4% للمرة الأولى منذ ربيع عام 2023.
وإذا تحققت هذه التوقعات، فإنها ستشكل انتكاسة سياسية واقتصادية للإدارة الأميركية التي كانت تراهن على استعادة السيطرة على الأسعار قبل دخول الموسم الانتخابي.
ورغم محاولات البيت الأبيض التأكيد على أنّ الوضع لا يزال تحت السيطرة، عبر الترويج لزيادة المبالغ المستردة من الضرائب للمواطنين والاستفادة من وفرة إنتاج الطاقة المحلي، فإن هذه الرسائل لم تنجح حتى الآن في تهدئة المخاوف الشعبية.
بل إن الرئيس نفسه ساهم في إضعاف الخطاب الاقتصادي لإدارته عندما ركّز اهتمامه على ملفات أخرى، وأكد مراراً تمسكه بمواصلة الحرب مع إيران مهما كانت التداعيات الاقتصادية.
وتكمن المشكلة الأساسية، بحسب الوكالة، في أن الناخب الأميركي لا يقيس الأداء الاقتصادي بالمؤشرات المجردة، بل بأسعار الوقود والغذاء والإيجارات والفوائد العقارية.
وفي هذا السياق، تبدو الأرقام مقلقة للجمهوريين.
فالتضخم ارتفع إلى 3.
8% في إبريل/ نيسان، بينما سجلت أسعار المواد الغذائية أكبر زيادة لها منذ نحو أربع سنوات.
كما تتوقع الأسواق مزيداً من الضغوط السعرية نتيجة تأثير الحرب على سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك الأسمدة والمنتجات الزراعية، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.
في الوقت نفسه، بدأت الأجور الحقيقية في الاقتصاد الأميركي تتعرض للضغط.
فقد سجلت الأجور المعدلة بحسب التضخم أول تراجع لها منذ ثلاث سنوات، بينما انخفض معدل الادخار الشخصي إلى أحد أدنى مستوياته منذ سنوات، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية للأسر الأميركية.
تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى بيانات التضخم الأميركية المنتظر صدورها، وسط توقعات بارتفاع معدل التضخم السنوي في الاقتصاد الأميركي إلى أكثر من 4% للمرة الأولى منذ ربيع عام 2023ويحذر عدد من الاقتصاديين من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى إضعاف الاستهلاك، الذي يمثل المحرك الرئيسي للاقتصاد الأميركي.
وتنقل بلومبيرغ عن كبير الاقتصاديين في مؤسسة" آر إس إم" جوزيف بروسويلاس أن الأعباء الاقتصادية للحرب ستؤثر بصورة مباشرة على إنفاق الطبقة الوسطى والعمال والأسر محدودة الدخل، وهي الفئات التي غالباً ما تحسم نتائج الانتخابات.
وتنعكس هذه المخاوف بوضوح في استطلاعات الرأي.
فقد سجل مؤشر الثقة الاقتصادية الصادر عن" غالوب" أدنى مستوى له خلال رئاسة ترامب الحالية، بينما أظهر استطلاع أجرته" رويترز/إبسوس" أن 73% من الأميركيين لا يوافقون على طريقة إدارة الرئيس لملف تكاليف المعيشة، مقارنة بـ44% فقط عند بداية ولايته.
كما أظهر استطلاع آخر أجرته مؤسسة" إيكونوميست/يوغوف" تراجع معدل التأييد العام للرئيس إلى 34%، وهو أدنى مستوى يسجله حتى الآن، فيما قال نحو ثلثي المشاركين للأسبوع الثاني على التوالي إن الاقتصاد الأميركي يسير في الاتجاه الخاطئ.
ومع ذلك، لا تزال هناك بعض نقاط القوة التي يتمسك بها البيت الأبيض.
فسوق العمل الأميركية ما زالت تظهر متانة نسبية مقارنة بالمعايير التاريخية، إذ أضاف الاقتصاد 172 ألف وظيفة جديدة خلال مايو/ أيار، ليسجل أقوى أداء فصلي للتوظيف منذ أكثر من عامين.
كما استفاد المستهلكون من التخفيضات الضريبية التي أقرتها الإدارة، والتي ساهمت في تعزيز الإنفاق الاستهلاكي رغم ارتفاع الأسعار.
وإلى جانب ذلك، يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي لعب دور المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي الأميركي.
فقد أسهمت الاستثمارات الضخمة في هذا القطاع في دعم أرباح الشركات ورفع مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية، فضلاً عن تنشيط قطاع التصنيع الأميركي الذي يعيش أطول موجة توسع له منذ عام 2022.
لكن هذه المكاسب لا تصل بالضرورة إلى جميع الأميركيين.
فبينما ترتفع أرباح الشركات وأسعار الأسهم، تتركز المكاسب بصورة أكبر لدى الفئات الأكثر ثراءً، في حين تتراجع حصة الأجور من الدخل القومي إلى مستويات تاريخية متدنية.
ويصف بعض الاقتصاديين هذا الواقع بأنه" اقتصاد على شكل حرف K"، حيث يستفيد جزء من المجتمع من النمو فيما يواجه جزء آخر ضغوطاً معيشية متزايدة.
ولهذا السبب يخشى عدد من الجمهوريين من أن يتحول الاقتصاد من نقطة قوة انتخابية إلى نقطة ضعف سياسية.
فالمشكلة بالنسبة للحزب ليست في المؤشرات الكلية فحسب، بل في شعور الناخبين بأنهم أصبحوا أقل قدرة على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك