نحن غارقون فى تفاصيل الحياة اليومية، لا ندخر ولا نملك ما ندخره، ولا ننتج ما نستهلكه، ولا نستهلك ما نحتاجه.
نحن غارقون فى مخاوف ارتفاع سعر صرف الدولار، وارتفاع أسعار المحروقات، وارتفاع تكلفة المعيشة على «المحروقين» بنار الأسعار.
نحن لاهثون خلف مؤسسات التمويل من أجل القروض التى يُستنزف معظمها فى سداد ديون قديمة قائمة، ونرفع الضرائب على الفقراء من أجل سداد فوائد الدين، ونلغى الدعم أو نحوّله من أجل تخفيض ما يُخصص للفقراء من موازنة يلتهمها الدائنون، ونرفع الفائدة الحقيقية إلى مستويات تعجز الصناعة والتجارة عن احتمالها من أجل جذب أموال ساخنة تصعب الحياة بدونها.
نحن نفعل كل ذلك مجبرين، نرزح تحت وطأة الظرف الراهن، تكبلنا أمراض اقتصادية وسكانية هيكلية، وتحيط بنا تقلبات مزعجة من صنع القوى الدولية والإقليمية.
هل نفكر حقًا كيف سيكون مستقبل خريجى الجامعات خلال هذه الأيام؟ هل نفكر فى فرص العمل مع تعطل الأنشطة الإنتاجية لصالح بعض مجالات الاكتناز والمضاربة؟ هل نفكر فى عدد الراغبين والقادرين على الهجرة ممن يفرغون المجتمع من عقول نابهة أنفقت عليها الأسر والدولة سنوات طويلة من التعليم والتدريب؟ هل نفكر فى المقابل الحقيقى لارتفاع حصيلة تحويلات العاملين فى الخارج؟ بعيدًا عن الارتفاعات المؤقتة التى تفرضها ظروف استثنائية أو مخاوف عابرة، هل نسأل أنفسنا: كم هى تكلفة الفرصة البديلة؟ كم تساوى إنتاجية هؤلاء لو وجدوا فى الداخل بيئة اقتصادية جاذبة للعمل والإبداع والاستثمار؟هل نفكر فى شكل المدن المصرية بعد ربع قرن؟ فى نوعية التعليم الذى يتلقاه أبناؤنا اليوم؟ فى فرص التوسع الحضارى والبناء؟ فى قدرة المواطنين على الحصول على مسكن لائق؟ فى المهن التى ستختفى وتلك التى ستولد؟ فى حجم المياه المتاحة للفرد؟ فى نصيب المواطن من الطاقة؟ فى قدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية بدلًا من تدوير الثروة القائمة وإعادة توزيعها بين الفئات والأنشطة؟إن الأمم لا تلج المستقبل فجأة، ولا تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها متقدمة أو متخلفة.
المستقبل يُصنع بقرارات الحاضر، لكنه يُهدم أيضًا بالانشغال الكامل بالحاضر.
والمشكلة التى تواجه مصر اليوم ليست فقط شح الموارد أو تضخم الالتزامات، بل هى هيمنة التفكير قصير الأجل على المجالين العام والخاص معًا.
فالحكومة مشغولة بأزمة التمويل التالية، والمستثمر مشغول بالنجاة من تقلبات السوق، والأسرة مشغولة بتدبير احتياجات الشهر المقبل، والشباب مشغولون بالبحث عن فرصة سفر أو وظيفة أو مصدر دخل إضافى.
فى مثل هذه الأجواء يصبح الحديث عن مصر 2050 أقرب إلى المزاح منه إلى أولوية سياسية أو مجتمعية، بينما الحقيقة أن الدول التى لا تفكر فى عام 2050 ستفاجأ به قبل أن تستعد له.
وسوف تكتشف عندئذٍ أن الفجوة بينها وبين العالم لم تكن فجوة موارد بقدر ما كانت فجوة استعداد.
ولعل أخطر ما فى الأمر أن العالم لا ينتظر أحدًا.
فالطور الحالى من الثورة الصناعية يمضى بسرعة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعى يعيد تشكيل أسواق العمل، وسلاسل القيمة العالمية يُعاد رسمها بانتظام، وموازين القوى الاقتصادية تتغير.
بينما ما زلنا نخوض كثيرًا من نقاشاتنا العامة وكأن الزمن قد توقف عند مشكلات الأمس.
ليس المطلوب أن نتجاهل أزماتنا الراهنة، فذلك ضرب من العبث.
لكن المطلوب ألا تتحول هذه الأزمات إلى سجن فكرى يحرمنا من النظر إلى ما بعدها.
فإدارة الحاضر ضرورة، أما صناعة المستقبل فهى الخيار الوحيد لضمان ألا نظل ندير الأزمة نفسها بأسماء مختلفة كل بضع سنوات.
ولعل المأزق الأكبر أن عمر النهضة المصرية الحديثة لا يُقاس بالسنوات التى انقضت منذ تولى محمد على الحكم عام 1805، بل بحجم التراكم الحقيقى الذى أُنجز خلالها.
فإذا كانت سنوات حكم محمد على الأربعين قد شهدت مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة الحديثة، فإن ما تحقق بعدها لا يبدو ــ فى كثير من جوانبه ــ وكأنه حصيلة مائتين وعشرين عامًا من التراكم التنموى المتصل، بل أقرب إلى أربعين عامًا أُعيد إنتاجها خمس أو ست مرات بصور مختلفة، دون أن يضيف كل جيل إلى ما سبقه القدر المأمول من البناء والتراكم.
إن السؤال الحقيقى ليس: كيف ستكون مصر فى عام 2050؟ بل: ماذا نفعل اليوم حتى لا يصل عام 2050 فنكتشف أننا أمضينا ربع قرن كامل فى مطاردة الأزمات ذاتها، بينما كانت أمم أخرى تبنى اقتصاد المعرفة، وتستثمر فى الإنسان، وتخطط لأجيال لم تولد بعد؟ حينها فقط سندرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة ليس نقص المال أو شح الموارد، وإنما فقدان القدرة على التخطيط للمستقبل تحت وطأة الحاضر.
لعل أفضل ما يعيننا على فهم الفارق بين إدارة الحاضر وصناعة المستقبل هو النظر إلى تجارب دول لم تكن أفضل حالًا منا عند نقطة البداية.
فلم تكن سنغافورة تمتلك موارد طبيعية تُذكر حين قررت فى ستينيات القرن الماضى أن تجعل من الإنسان موردها الاستراتيجى الأول.
ولم يكن دخل الفرد فيها يقترب من مستويات الدول المتقدمة، لكن القيادة السياسية آنذاك أدركت أن المنافسة المستقبلية لن تكون على الأرض أو المواد الخام، بل على التعليم والانضباط والإنتاجية.
ولذلك لم تكتفِ بإعلان رؤية للمستقبل، بل ربطت هذه الرؤية بإصلاحات تعليمية جذرية، وسياسات إسكان منظمة، وجهاز إدارى شديد الكفاءة، واستثمارات متواصلة فى رأس المال البشرى.
وبعد عقود من العمل المتراكم أصبحت الدولة الصغيرة واحدة من أهم المراكز المالية والتكنولوجية فى العالم.
والأمر ذاته يمكن ملاحظته فى تجربة كوريا الجنوبية.
ففى مطلع الستينيات كانت دولة مدمرة من حرب مدمرة، يقل دخل الفرد فيها عن مستويات كثير من الدول النامية آنذاك.
لكنها طرحت على نفسها سؤالًا مختلفًا: ماذا نريد أن نصبح بعد جيل كامل؟ ثم شرعت فى بناء الإجابة عبر التصنيع والتصدير والتعليم التقنى والاستثمار فى الشركات الوطنية الكبرى.
لم يكن الطريق سهلًا ولا خاليًا من التضحيات، لكنه كان طريقًا تحكمه بوصلة واضحة تتجه نحو المستقبل.
واليوم تصدر كوريا التكنولوجيا والسيارات والسفن والمنتجات الإلكترونية إلى العالم بعد أن كانت تعتمد على المعونات الخارجية.
بل إن التجربة الصينية تقدم درسًا مهمًا فى هذا السياق.
فالصين لم تصل إلى مكانتها الحالية عبر معدلات نمو مرتفعة فقط، بل عبر قدرة استثنائية على المواءمة بين متطلبات الحاضر وأهداف المستقبل.
فعندما بدأت سياسة الإصلاح والانفتاح أواخر السبعينيات لم يكن الهدف مجرد رفع معدلات النمو السنوية، وإنما بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية تجعل الصين لاعبًا رئيسيًا فى الاقتصاد العالمى بعد عقود.
ولهذا السبب استثمرت بكثافة فى التعليم والبنية الأساسية والبحث العلمى والتصنيع والتكنولوجيا، حتى أصبحت تنافس الاقتصادات الأكثر تقدمًا فى مجالات لم تكن حاضرة فيها قبل جيل واحد فقط.
والمشترك بين هذه التجارب جميعًا ليس وجود خطط طويلة الأجل فحسب، فالكثير من الدول تمتلك خططًا ووثائق ورؤى معلقة على الجدران.
المشترك الحقيقى هو وجود سياسات وإجراءات يومية متسقة مع تلك الرؤى.
فالتفكير فى المستقبل لا يتحقق بإعلان سنة مستهدفة أو إطلاق شعار جذاب، وإنما بتخصيص الموارد، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحمل التكلفة السياسية والاقتصادية للإصلاحات التى قد لا تؤتى ثمارها إلا بعد سنوات.
من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة لنا: ما الذى ينبغى أن نفعله اليوم إذا كنا جادين فى الحديث عن مصر 2050؟ هل نواصل استنزاف الجزء الأكبر من مواردنا فى معالجة اختلالات متراكمة، أم نعيد توجيه جانب متزايد من هذه الموارد نحو التعليم والبحث العلمى والصناعة والتكنولوجيا؟ هل نكتفى بإدارة سوق العمل الحالية، أم نستعد للوظائف التى لم تُخلق بعد؟ هل نتعامل مع هجرة الكفاءات باعتبارها مصدرًا للتحويلات فقط، أم باعتبارها نزيفًا لرأس مال بشرى ينبغى الحد منه عبر خلق فرص حقيقية فى الداخل؟ فالمستقبل لا يهب نفسه لأحد، وإنما يكافئ من يستعد له.
أما من ينشغل بالحاضر حتى يبتلعه، فلن يجد فى الغد سوى نتائج ما أهمله بالأمس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك