الوطن ليس قطعة أرض نعيش فوقها ثم نمضي، وليس حدودًا ترسمها الخرائط أو أسماء تحفظها الوثائق؛ الوطن هو ذلك الشعور العميق الذي يسكن فينا أكثر مما نسكن فيه، وهو الذاكرة التي لا تشيخ، والهوية التي لا تتبدل، والظل الذي نلوذ به كلما أحرقتنا شمس الأيام.
فيه تتفتح أعيننا على أول صورة للحياة، ومن ترابه تنبت أحلامنا، وعلى دروبه تتشكل حكاياتنا الصغيرة التي تصنع في مجموعها قصة العمر كله.
لذلك كان الوطن أكبر من مكان، وأبقى من زمن، وأعظم من مجرد انتماء عابر؛ إنه المعنى الذي يمنح الحياة جذورها، ويمنح الإنسان اسمه الروحي بين الأمم.
وحين تثقلنا الهموم، نبحث عن الوطن كما يبحث الطفل عن حضن أمه، فنستمد من ذكراه قوة، ومن أمنه طمأنينة، ومن ثباته يقينًا بأن في هذا العالم شيئًا ما يزال جديرًا بالثقة.
غير أن سؤالًا نادرًا ما نتوقف عنده يطل علينا في لحظات التأمل الصادقة: إذا كان الوطن هو كتف الجميع، فعلى كتف من يضع الوطن رأسه حين يتعب؟نعم، الأوطان تتعب.
تتعب حين تتسع المسافة بين القول والعمل، وحين تذبل في النفوس قيم المسؤولية، وحين يعلو ضجيج المصالح الخاصة على صوت المصلحة العامة.
تتعب عندما ينسى بعض أبنائها أن الحقوق لا تنمو إلا في تربة الواجبات، وأن الحرية لا تزدهر إلا في ظل الانضباط، وأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات الجميلة بل بالجهد المتواصل والتضحية الصامتة.
تتعب عندما يصبح النقد تجريحًا، والخلاف خصومة، والانتماء شعارًا يرفع في المناسبات ثم يُنسى عند الامتحان الحقيقي.
ومع ذلك، فإن الوطن لا يشتكي، ولا يرفع صوته بالأنين؛ فهو كالأب العظيم الذي يخفي أوجاعه كي لا يثقل على أبنائه.
لكنه، في لحظات الإرهاق الخفي، يبحث عن سنده الحقيقي، فلا يجده إلا في أبنائه المخلصين.
يجده في يد عامل يتقن عمله كأنما يبني وطنًا حجرًا حجرًا، وفي معلم يغرس في العقول قيم المعرفة والانتماء، وفي طبيب يداوي الألم بروح الرسالة لا بمنطق الوظيفة، وفي جندي يقف على الحدود لتبقى البيوت آمنة والقلوب مطمئنة.
يجده في كل مواطن يرى أن خدمة وطنه ليست فضلًا يمنحه، بل دينًا يرده ووفاءً يؤديه.
فالوطن لا يحتاج إلى قصائد تمجده بقدر ما يحتاج إلى سلوك يصونه، ولا إلى خطابات حماسية بقدر حاجته إلى ضمائر يقظة وقلوب صادقة وعقول تعمل.
إن كل شجرة تُزرع، وكل علم يُرفع بالاجتهاد، وكل حق يُصان، وكل فساد يُقاوَم، وكل عمل يُنجز بإخلاص، هو لبنة جديدة في جدار الوطن، ووسادة من الطمأنينة يضع عليها الوطن رأسه ليستريح من عناء الأيام.
إن العلاقة بين الوطن وأبنائه ليست علاقة أخذٍ من طرف وعطاءٍ من طرف آخر، بل هي شراكة مصير لا تنفصم عراها.
فكما يمنحنا الوطن الأمن والهوية والكرامة، فإن من حقه علينا أن نمنحه الولاء الصادق والعمل المخلص والوحدة التي لا تتصدع أمام التحديات.
وحين يدرك كل فرد أن قوة الوطن تبدأ من مسؤوليته الشخصية، تتحول الملايين من الأكتاف المتفرقة إلى كتف واحدة عظيمة تحمل الوطن عاليًا فوق التعب، وتحرسه من الانكسار.
لهذا، إذا كنا نضع رؤوسنا على كتف الوطن كلما أثقلتنا الحياة، فلنجعل من إخلاصنا وعملنا ونبل مقاصدنا الكتف التي يستند إليها الوطن كلما أثقلته الهموم.
فالأوطان لا يرهقها الفقر بقدر ما يرهقها اليأس، ولا تضعفها الأزمات بقدر ما يضعفها تراجع الإيمان بها.
أما حين يلتف أبناؤها حولها حبًا وعملًا ووفاءً، فإنها تستعيد عافيتها، وتمضي شامخة كما أرادها التاريخ، وكما تستحقها الأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك