عمان - يرى خبراء أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة، شرط استكمال متطلبات البنية التحتية والتمويل والتنظيم والتركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة المرتبطة بالهيدروجين الأخضر.
اضافة اعلانوبيّن الخبراء أن الأردن يتجه نحو ترسيخ موقعه على خريطة الاقتصاد الأخضر من خلال الاستثمار في مشاريع الهيدروجين والأمونيا الخضراء، مستفيدا من موارده المتجددة وموقعه الجغرافي الإستراتيجي، فيما تمضي الحكومة في تطوير مشاريع وتشريعات متخصصة لهذا القطاع الناشئ.
في هذا الخصوص، أكد خبير شؤون الطاقة هاشم عقل أن الأردن يمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى مركز إقليمي مهم للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، مستندا إلى مجموعة من المزايا الطبيعية والإستراتيجية، إلى جانب السياسات الحكومية التي بدأت تضع أسسا لهذا التحول.
وأوضح عقل أن المملكة تتمتع بمعدلات إشعاع شمسي تعد من الأعلى عالميا، فضلا عن توفر مواقع واعدة لطاقة الرياح، لا سيما في مناطق الجنوب والشمال الشرقي، ما مكنها من بناء قطاع متقدم للطاقة المتجددة وصلت قدراته المركبة إلى نحو 2.
5 جيجاواط خلال السنوات الأخيرة، لتشكل الطاقة النظيفة جزءا متزايدا من مزيج الكهرباء الوطني.
وأضاف أن: " الموقع الجغرافي للأردن يمثل أحد أبرز عناصر القوة في هذا المجال، إذ يوفر ميناء العقبة منفذا إستراتيجيا لتصدير منتجات الطاقة النظيفة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية ودول الخليج، إلى جانب إتاحة الوصول إلى مياه البحر الأحمر اللازمة لمشاريع تحلية المياه المرتبطة بإنتاج الهيدروجين الأخضر".
وأشار إلى أن الإستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر التي أعدتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية وضعت أهدافا طموحة لتطوير هذا القطاع، من خلال الوصول إلى إنتاج نحو 591 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول عام 2030، ترتفع إلى 1.
5 مليون طن في 2040، ثم إلى 3.
4 مليون طن بحلول عام 2050، مع التركيز على تصدير جزء كبير من الإنتاج على شكل أمونيا خضراء بصفتها الوسيلة الأكثر كفاءة وأمانا لنقل الهيدروجين وتخزينه.
وبين عقل أن هذه الخطط لا تقتصر على الجوانب البيئية، بل تحمل أبعادا اقتصادية مهمة، من خلال استحداث عشرات آلاف فرص العمل وخفض الانبعاثات الكربونية، إلى جانب فتح أسواق تصديرية جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
ولفت إلى أن مشروع الأمونيا الخضراء الجاري تطويره في العقبة يشكل أول اختبار عملي لهذا التوجه، باستثمارات تصل إلى مليار دولار، وبقدرة توليد شمسية تبلغ 550 ميجاواط مدعومة بأنظمة تخزين للطاقة بسعة 500 ميجاواط/ساعة، لإنتاج نحو 100 ألف طن سنويا من الأمونيا الخضراء.
وأوضح أن المشروع، الذي تطوره شركات دولية بالشراكة مع مستثمرين محليين، يمثل خطوة مهمة نحو إدخال الأردن فعليا إلى سوق الطاقة الخضراء العالمية، مع توقع اتخاذ قرار الاستثمار النهائي خلال عام 2027 وبدء التشغيل التجاري في عام 2030.
وأكد أن أهمية الأمونيا الخضراء تكمن في سهولة نقلها وتخزينها مقارنة بالهيدروجين النقي، فضلا عن ارتباطها بصناعات قائمة في الأردن، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة، إضافة إلى إمكانية استخدامها مستقبلا في قطاع الوقود البحري والطاقة.
وشدد عقل على أن نجاح الأردن في بناء هذا القطاع يتطلب الاستمرار في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة، ورفع مساهمتها في مزيج الكهرباء إلى مستويات تتراوح بين 40 و50 % خلال العقد المقبل، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية اللازمة، بما يشمل محطات التحلية، ومرافق إنتاج الهيدروجين، ومنشآت التخزين والنقل.
كما أكد أهمية تعزيز الحوافز الاستثمارية واستقطاب التمويل الدولي، وتوسيع الشراكات مع الأسواق الأوروبية ودول الخليج والشركات العالمية المتخصصة في تقنيات الهيدروجين والطاقة النظيفة، إلى جانب معالجة التحديات المرتبطة بتوفير المياه وكلف الاستثمار الأولية وتطوير سلاسل التوريد.
بدوره، أكد رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والمياه والبيئة، م.
دريد محاسنة، أن الأردن لا يمتلك ترف الاختيار فيما يتعلق بالتحول نحو مصادر الطاقة الحديثة، بل إن ذلك يمثل ضرورة إستراتيجية تفرضها طبيعة موارده المحدودة واعتماده التاريخي على استيراد مصادر الطاقة التقليدية.
وقال محاسنة: " الأردن يجب أن يعمل على ترسيخ موقعه كمصدر ومركز إقليمي للطاقة المتجددة، تمهيدا للتوسع مستقبلا في صناعات الأمونيا والهيدروجين الأخضر"، موضحا أن المملكة ما تزال تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز من الخارج، ما يجعلها عرضة للتقلبات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية.
وأضاف أن: " التجارب السابقة أثبتت حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الطاقة المستوردة، سواء خلال الأزمات الإقليمية أو عند تعطل إمدادات الغاز، الأمر الذي انعكس على كلف الطاقة والمالية العامة، وأبرز أهمية تعزيز أمن التزود بالطاقة بصفته جزءا أساسيا من الأمن الوطني والاقتصادي".
وأشار إلى أن أي اضطرابات في الممرات البحرية أو أسواق الطاقة العالمية تنعكس بشكل مباشر على الأردن من ناحية الأسعار والكميات المتاحة، ما يستدعي بناء منظومة طاقة أكثر استقلالية تعتمد على الموارد المحلية المتاحة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وبيّن محاسنة أن أهمية التوسع في الطاقة المتجددة لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى الأبعاد البيئية والمناخية، بصفتها مصدرا نظيفا للطاقة يسهم في خفض الانبعاثات والتلوث والحد من آثار التغير المناخي التي تؤثر على مختلف القطاعات، بما فيها الموارد المائية.
وأكد أن النظر إلى قطاع الطاقة من زاوية العوائد الضريبية قصيرة الأجل فقط يعد نهجا غير كافٍ، مشيرا إلى أن بعض السياسات السابقة فضلت مصادر الطاقة التقليدية بسبب ما توفره من إيرادات ضريبية أعلى مقارنة بالطاقة المتجددة، في حين أن المعيار الأهم يجب أن يكون تحقيق الأمن الإستراتيجي للموارد وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية على المدى الطويل.
وشدد على أن الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين والأمونيا الخضراء يمثل استثمارا في أمن الأردن الطاقي والاقتصادي، لافتا إلى أن بناء قطاع طاقة نظيف ومستدام قائم على الموارد المحلية هو السبيل الأكثر فاعلية لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة التحديات المستقبلية.
من جهته، أكد المستثمر والخبير في قطاع الطاقة، د.
فراس بلاسمة، أن الأردن يمتلك مقومات تؤهله لدخول سوق الهيدروجين والأمونيا الخضراء، إلا أن تحويل هذه المقومات إلى مركز إقليمي متقدم للطاقة النظيفة ما يزال يتطلب استكمال مجموعة من المتطلبات الفنية والاستثمارية والتنظيمية.
وأوضح بلاسمة أن الفرصة الحقيقية للأردن لا تكمن في تصدير الهيدروجين الخام، نظرا لارتفاع كلف النقل والتخزين والبنية التحتية المرتبطة به، وإنما في تطوير صناعات ذات قيمة مضافة قائمة على الهيدروجين، وفي مقدمتها الأمونيا الخضراء وصناعة الأسمدة ووقود السفن والتطبيقات الصناعية المرتبطة بالتصدير عبر العقبة.
وأشار إلى أن الأردن يتمتع بثلاث مزايا رئيسة تدعم هذا التوجه، تتمثل في توفر موارد جيدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وموقعه الجغرافي القريب من أسواق المنطقة وأوروبا، إضافة إلى امتلاكه منفذا بحريا إستراتيجيا في العقبة يمكن أن يشكل منصة لتصدير منتجات الطاقة الحديثة.
وبيّن أن المملكة نجحت خلال السنوات الماضية في بناء قاعدة مهمة للطاقة المتجددة، إذ بلغت القدرة المركبة لمشاريع الطاقة المتجددة نحو 2812.
5 ميغاواط، إلا أن ذلك لا يعني جاهزية فورية للدخول في إنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع، لافتا إلى أن هذا القطاع يحتاج إلى كهرباء منخفضة الكلفة، ومياه محلاة، وتمويل طويل الأجل، إلى جانب بنية تحتية متخصصة للتخزين والتصدير وعقود شراء دولية مستقرة.
ولفت إلى أن الأردن يستورد كميات كبيرة من الأمونيا المستخدمة في صناعة الأسمدة، ما يفتح المجال أمام إحلال جزء من هذه الواردات محليا في حال توافر إنتاج تنافسي من الأمونيا الخضراء، الأمر الذي يعزز القيمة المضافة للصناعات المرتبطة بالفوسفات والبوتاس والأسمدة والموانئ.
وشدد على أن امتلاك الأردن لشبكة كهربائية متطورة وروابط كهربائية مع عدد من دول الجوار يمثل عامل دعم مهماً، لكنه غير كافٍ بمفرده لتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للهيدروجين، موضحا أن مشاريع الهيدروجين الأخضر تحتاج عادة إلى مصادر كهرباء مخصصة أو شبه مستقلة لتجنب الضغط على الشبكة الوطنية، ما يجعل الاستثمار في أنظمة تخزين الطاقة جزءا أساسيا من نجاح هذا القطاع.
كما أشار إلى أن محدودية الموارد المائية في الأردن تفرض الاعتماد على تحلية مياه البحر أو مصادر غير تقليدية لتزويد مشاريع الهيدروجين بالمياه اللازمة، مع ضرورة الفصل الكامل بينها وبين الموارد المخصصة للشرب والزراعة.
وقال: " تحويل العقبة إلى مركز إقليمي للطاقة الخضراء يتطلب استكمال بنية تحتية متخصصة تشمل مرافق التحلية، وخزانات الأمونيا، وأنظمة السلامة الصناعية، ومرافق التصدير والخدمات اللوجستية، إلى جانب توفير أطر تنظيمية وتمويلية جاذبة للاستثمار".
وأكد أن المنافسة الإقليمية في هذا القطاع ستكون قوية في ظل توجه دول مثل السعودية والإمارات وسلطنة عُمان ومصر والمغرب لتطوير مشاريع مماثلة، ما يفرض على الأردن التركيز على عناصر التفوق النسبية التي يمتلكها، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي، وسرعة الإجراءات التنظيمية، وتطوير مشاريع متخصصة مرتبطة بالصناعات القائمة.
وأوضح بلاسمة أن تحويل الأردن إلى منصة إقليمية فاعلة في اقتصاد الهيدروجين والأمونيا الخضراء يتطلب التركيز على خمسة محاور رئيسة، تشمل إعطاء الأولوية لتطوير صناعة الأمونيا الخضراء، وربط مشاريع الهيدروجين بالقطاعات الصناعية القائمة، وإنشاء منطقة صناعية خضراء متكاملة في العقبة، ووضع إطار واضح لاستخدام الشبكة الكهربائية وأنظمة التخزين، إضافة إلى استقطاب التمويل الأخضر منخفض الكلفة عبر شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص.
يشار إلى أن وزارة الطاقة والثروة المعدنية تتخذ خطوات لتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، في إطار توجه المملكة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة وتعمل الوزارة حاليا على تطوير نحو 14 مشروعا للهيدروجين الأخضر، بالتوازي مع دراسة متطلبات البنية التحتية المشتركة اللازمة لدعم هذا القطاع الناشئ.
وفي هذا السياق، أكد وزير الطاقة والثروة المعدنية، صالح الخرابشة، في وقت سابق أن الوزارة تعمل على تحديث إستراتيجية الطاقة للأعوام 2025-2035 بما يواكب التحولات العالمية في قطاع الطاقة، ويشمل إدماج التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر وأنظمة تخزين الطاقة.
وبيّن أيضا أن الأردن يمتلك العديد من المقومات التي تؤهله للعب دور إقليمي في إنتاج وتصدير الطاقة الخضراء، وهو ما يتماشى مع مستهدفات البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2030 الرامية إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
كما أكد أن اعتماد نظام شهادات الهيدروجين الأخضر يمثل خطوة أساسية لاستكمال المنظومة التشريعية والتنظيمية للقطاع، ودعما لإعداد الإستراتيجية الوطنية الشاملة لصناعة الهيدروجين الأخضر، بما يسهم في تطوير هذه الصناعة وتعزيز قدرة الأردن على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك