ثمة مفارقة غريبة في علاقتنا بالتغيير.
نطالب به باستمرار.
نريده في مؤسساتنا، وفي أعمالنا، وفي مجتمعاتنا.
ننتقد الجمود، ونحتفي بالابتكار، ونتحدث بحماس عن التطوير والتحول.
اضافة اعلانلكننا في كثير من الأحيان نحب فكرة التغيير أكثر مما نحب التغيير نفسه.
التغيير الحقيقي لا يبدأ بفكرة جديدة.
يبدأ بسؤال.
سؤال يضع ما اعتدناه موضع مراجعة.
ويطلب منا أن نعيد النظر في أشياء كنا نظن أننا انتهينا منها منذ زمن.
التغيير ليس بالضرورة أمراً صعبا فقط لأنه جديد.
صعوبته الحقيقية أنه يطلب منا أن نتعلم مجددا، وأن نعترف أحياناً بأن ما أوصلنا إلى هنا قد لا يكون كافياً لمواصلة الطريق.
نادرا ما تكون المشكلة في المؤسسات نقص الأفكار.
ونادراً ما تكون غياب الرؤية.
ما يعيق التغيير في الغالب أكثر هدوءاً من ذلك؛ المسافة الفاصلة بين الرؤية والعادة.
بين معرفة أن التغيير ضروري، وامتلاك القدرة على ممارسته فعلياً.
القيادات ترى المستقبل بحكم موقعها.
ترى المنافسة، والتحولات، والمهارات التي بدأت تفقد صلاحيتها.
لكن كل خطوة نحو الأمام تطلب من شخص ما شيئاً لا يظهر في أي خطة إستراتيجية مهما كانت محكمة: تطلب منه أن يغادر ما اعتاده.
وهنا تبدأ المقاومة.
ليس بالضرورة بدافع سوء النية.
كثير من المقاومة لا علاقة لها بالمصالح المباشرة.
هي استجابة لتكلفة لا نتحدث عنها كثيراً:تكلفة التعلم من جديد.
تكلفة الاعتراف بأن ما نجح بالأمس قد لا يكفي للغد.
تكلفة التخلي عن يقين منحنا طويلاً شعوراً بالأمان.
ولهذا لا تتوقف مقاومة التغيير عند حدود الفكرة دائماً.
أحياناً يصبح حامل الفكرة جزءاً من النقاش نفسه وجزءا من الهجوم.
ليس لأن ما يطرحه يفتقر إلى القيمة.
فالجديد يربك توازنات اعتدناها.
وخصوصا إن أتى من دوائر فكرية أخرى.
وفي مثل هذه اللحظات يصبح من الأسهل مناقشة الشخص وأحيانا مهاجمته بدلاً من مناقشة الفكرة.
والتشكيك في المصدر ونواياه بدلاً من اختبار ما يحمله.
معظم الأفكار الريادية لا تُقاوَم لأنها خاطئة.
تُقاوَم لأنها تفرض أسئلة لا نحبها.
وتدفعنا إلى مراجعات قد تكون مكلفة — مهنياً ونفسياً وشخصياً.
والمفارقة أن القيادة العليا، في الغالب، ليست من يقاوم.
هي من تطلب التغيير، وترسم له الرؤية، وتؤمن بضرورته وتدافع عنه.
المقاومة الحقيقية تعيش في مكان آخر.
تعيش عند من يقفون في المنتصف— بين من يرسمون الرؤية ومن يفترض أن يعيشوها.
هؤلاء هم حراس الوضع القائم.
بعضهم يرفض بصوت عالٍ وبحجج تبدو مبدئية وهي في جوهرها دفاع عن موقع.
وبعضهم يعطّل عملية التطور بصمت: قرار يصل متأخراً.
معلومة لا تُكتمل.
فكرة تُعاد صياغتها حتى تفقد جوهرها.
واجتماع ينتهي دون أن يبدأ حقاً.
لكن الدافع في الحالتين أعمق من الخوف على المنصب.
لأن أصعب شيء ليس أن تتعلم من جديد.
أصعب شيء أن تعترف أن ما تعرفه لم يعد يكفي.
من هنا جاءت أهمية إدارة التغيير change management، فهي في جوهرها ليست إدارة أنظمة.
هي إدارة بشر في لحظات انتقال.
وهي لا تبدأ من الخطط، بل من فهم المخاوف والأسئلة التي يثيرها كل تحول حقيقي.
المؤسسات الأكثر قدرة على الاستمرار ليست تلك التي تمتلك أفضل الخطط.
هي تلك التي تعرف كيف تخلق مساحة للتوتر الذي يرافق التحول.
تسمح للأفكار أن تُختبر قبل أن تُرفض.
وتناقش المقترحات بناءً على قيمتها لا على مدى ارتياحها لمن يحملها.
العالم لا يتغير لأننا مستعدون.
ولا ينتظر حتى نشعر بالارتياح.
التحدي الحقيقي لا يكمن في التغيير نفسه.
يكمن في قدرتنا على مراجعة ما اعتدنا عليه دون أن نشعر أن هويتنا كلها باتت موضع تهديد.
حين يزعجنا شخص ما، أو فكرة ما، أو أسلوب ما—السؤال الأجدى ليس: هل يعجبني؟السؤال الأجدى: لماذا يزعجني؟هل يكشف ضعفي؟ هشاشتي؟ انعدام قدرتي على التطور؟وربما هذه، في نهاية المطاف، هي أصعب مهارة يحتاجها المستقبل منا.
القدرة على التغيير موجودة في معظمنا.
لكن الشجاعة على مراجعة أنفسنا حين يأتي التغيير: هذه هي المسألة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك