هل اكتشفت الولايات المتحدة الحقيقة متأخراً؟لماذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في الحرب حتى الآن؟ قبل بداية الحرب كان السيناريو الأكثر رعباً بإجماع الخبراء هو تداعيات الفوضى الرهيبة على المنطقة وخاصة دول الخليج من انهيار النظام الإيراني، وذلك استنادا إلى قدرة واشنطن الحاسمة على إسقاط النظام خلال أيام، وربما نزول برى محدود إذا استدعت الضرورة.
وقد تبدى من اليوم الأول للحرب رهان واشنطن وتل أبيب على ما يسمى" تكتيك قطع الرؤوس" عبر اغتيال المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري، ليس بهدف إسقاطه -كما صرح ترامب مراراً- بل استسلامه، في سيناريو أشبه بفنزويلا، وعراق صدام حسين عندما اختفى الجيش العراقى في غضون أسبوع، مع فارق عدم النزول البري.
وما لبثت وأن أدركت واشنطن أن الرهان على قطع الرؤوس قد جانبه الصواب بشدة باعتباره أنسب الخيارات دون معضلة التورط على الأرض، والأهم من ذلك-وهو المعضلة الرئيسة- ليس فقط في قدرة النظام الإيراني على إعادة ترتيب صفوفه، ومؤسساته بل في طبيعة النظام نفسه ومؤسساته المدلجة التي تحارب من مربع الخيار الصفري" الموت أو الصمود".
وقد ترتب على ذلك توجيه انتقادات شديدة لإدارة ترامب حتى داخل حزبه لأنها انخرطت في الحرب دون فهم عميق لطبيعة النظام الذي تحاربه، إذ اعتقدت أن مقاربة فنزويلا والعراق وغيرهما سابقا ستنجح مع إيران.
والمهم في الأمر، قد ترسخ لدى واشنطن قناعة جازمة بأن هناك خيارين لا ثالث لهما لإسقاط نظام الملالي إما نزولا بريا، أو تحطيم قدرات إيران العسكرية تماما أملا في الاستسلام والخضوع للمطالب خاصة تسليم اليورانيوم المخصب، وفضلت واشنطن الأخير عبر ضربات يومية شديدة العنف، لأن خيار الحرب البرية شديد الصعوبة والتعقيد رغم انه الحاسم- كما سنفصل لاحقا -وإزاء قسوة الضربات ضد إيران، بدأت إيران في استخدام أخطر ورقتين على الإطلاق وهما ضرب دول مجلس التعاون، وإغلاق مضيق هرمز، وكان احتمالية استخدام إيران لتلك الورقتين مع تحريك أذرعها في المنطقة في الحسبان بالطبع، لكن تكمن المفارقة في مستوى التوقعات، إذ لم ترجح تقارير أكبر الخبراء والمؤسسات وإدارة ترامب ذاتها، هذا التوسع الإيراني في استخدامهما على أساس أن ذلك سيعجل بسقوط النظام سريعاً عبر ضرب أمريكي شديد العنف انتقامي، أو تشكيل تحالف دولي لإسقاط النظام، علاوة على الضغوط الشديدة التي سيعرض لها النظام من أقرب أصدقائه خاصة الصين.
ودون الخوض في تفاصيل مكررة عمد النظام الإيراني الإفراط في استخدام الورقتين لتدويل الحرب وإرباك سوق النفط العالمي والضغط على دول الخليج التي تعرضت لأكثر من ألف هجوم سافر على منشآتها المدنية، وحلفاء واشنطن عموما لأجل إقناع ترامب بالتوقف عن الحرب.
وإزاء تعقد الحرب وخلط الأوراق، بدأ الحديث عن جولة مفاوضات وهدنة بوساطة باكستانية، وموافقة واشنطن على المفاوضات يعكس بلا مجال للشك عجز أمريكا عن تحقيق أهدافها وإنهاء الحرب.
استمرت المفاوضات لمدة شهر تقريبا، وأقرب وصف لها" بالبعثية" إذ لم تكشف فيها أهم التفاصيل الجوهرية، والأرضية المشتركة التي بنيت عليها المفاوضات بين الجانبين، فضلا عن عبثية التصريحات اليومية المتضاربة من الجانبين، وبنود اتفاق إنهاء الحرب المتبدلة يوميا غير الواضحة بالأساس.
خلاصة الأمر، قد تبدى أن المفاوضات لم تكن سوى تكتيك إضاعة وقت من إيران لأنها عازمة من البداية على عدم الاستسلام في ملف البرنامج النووي وهو ما لن تقبله واشنطن، متسلحة بأوراق الضغط التي تملكها ومؤسساته المدجلة الانتحارية.
وهو ما أسفر في النهاية عن فشل المفاوضات، وعودة دائرة الحرب العبثية من جديد.
وبعد كل ذلك، نقول إن الولايات المتحدة قد أدركت الحقيقة متأخراً، وهى أن إسقاط النظام الإيراني، أو خضوعه ليس سهلاً على الإطلاق، إذ يستلزم ذلك نزول أو احتلال برى من تحالف دولي من الدول الراغبة في إسقاطه، والأهم خطة شاملة محكمة للمرحلة الانتقالية لضمان عدم الفوضى نظراً لطبيعة إيران الجغرافية والاجتماعية والعرقية شديدة التعقيد.
ونعتقد أن مسالة النزول البري كان بالأساس سيناريو صعب التنفيذ، فلن يسمح الرأي العام الأمريكي ولا المؤسسات الأمريكية النافذة بذلك، ولا حتى حركة ماجا أنصار ترامب بذلك، بعد كابوس احتلال العراق.
كذلك، حلفاء واشنطن على الإطلاق، وما ادل على ذلك رفض الناتو والدول الأوروبية مجرد الاشتراك في فتح مضيق هرمز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك