نشرت مجلّة فورين بوليسي تقريراً جاء فيه: " بعد وصف ترامب لنتنياهو بالمجنون وناكر الجميل، أصبح الموصوف مهدّداً بخسارة الانتخابات المقبلة بسبب قرب الاتفاق بين واشنطن وطهران.
لنتنياهو دور رئيس في إشعال الحرب، لكنّ تأثيره في إنهائها محدود بالنظر إلى حجم الضغوط الأميركية".
والمجلة معروفة ومحترمة، وفيها تقارير ودراسات مهمّة قدّمت معلومات تفصيلية عن خلافات ترامب ونتنياهو، خصوصاً في الاتصال السابق بينهما، لكنّ العالم يعرف أنّ ترامب، كما يقول عنه مسؤولون أميركيون كثيرون، " عبثي" و" متقلّب" و" غريب الأطوار" و" نرجسي" و" غير مُتوقَّع" و" متهوّر" و" دخل في حرب ليست حربنا" و" غير قادر على الحسم" و" إيران ربحت وقتاً وتربح وقتاً إضافياً" و" استعادت زمام المبادرة وترامب يبحث عن اتفاق معها ولم يحصل بعد" و" تتحكّم بمصير مضيق هرمز" و" قصفت مطار الكويت.
ومنشآت ومواقع أميركية وتؤكّد استعدادها للردّ على أي استهداف" و" ترامب يتحدّث عن تقدّم في المفاوضات معهم، وعندما ينجز مشروع الاتفاق يبدي استعداده للقاء مجتبى خامنئي"، فلماذا" تخضع إيران؟ " و" من يضغط عليها في وقت تضغط على أصدقائنا في الخليج؟ " و" وليس لدينا حلفاء في العالم".
هذا كلّه ينبع من أرض الواقع، وهو في الحقيقة يخدم نتنياهو، الذي يستخدم الوسائل والإمكانات كلّها لدفع ترامب إلى مزيد من التورّط انطلاقاً من قناعته: " هذا النظام الإرهابي لا مفرّ من زواله وسنساهم في تحقيق ذلك.
لن يعود ليهدّدنا بالقنابل النووية وآلاف الصواريخ الباليستية الفتّاكة".
العرب في متاهة، ضائعون بين محاولات التذاكي والتشاطر وكسب الوقت واستحضار أدوار دبلوماسية إعلاميةبالتزامن، خرج وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، بتصريح يهدّد فيه دول الخليج: " انتهى زمن أن تدافع الولايات المتحدة عن الدول الغنيّة مجّاناً.
نريد شركاء لا محميات".
بوضوح: أنتم لستم شركاءنا، نحن نحميكم.
وأنتم أغنياء، نريدكم شركاء.
يجب أن تشاركوا مباشرةً في حروبنا ومشاريعنا، وأن تدفعوا المال أيضاً.
ومعروف أنّ المشروع الإسرائيلي الأميركي (وبشكل خاصّ إسرائيل) يريد تحويل المنطقة إلى محميات بعد تفكيك دولها وإضعافها.
وهنا التنافس الآن: من الحامي؟ من هو الطرف الذي يستحقّ" مال الأغنياء" أكثر؟ إنّها إسرائيل التي دفعت من خلال نتنياهو ترامب إلى شنّ الحرب بالشراكة معها ضدّ إيران، وفعلت ما فعلت في غزّة ولبنان، وتفعل ما تفعل في الضفّة الغربية، هي التي يقودها نتنياهو ولا يزال يخاطب العرب متفاخراً: " ضربنا إيران.
قتلنا رأس الأفعى ورؤوس الأذرع في العراق ولبنان وسورية واليمن ونتعقّب الإرهابيين كلّهم".
وهل ما قاله روبيو يطمئن دول الخليج، خصوصاً بعد تهديدهم من معلّمه بضرورة الالتحاق إلزامياً بالاتفاقات الإبراهيمية لتقديم ثمن ما لإسرائيل وإرضائها لتمرير اتفاق مع إيران، وهو الذي قال قبل أيام: " اتفاق سلام مع إيران قد يكون أفضل حتّى من نصر عسكري، والتوصل إليه قد يتم الأسبوع المقبل".
ما قاله روبيو يخدم نتنياهو ومنطقه، فهو في اتصالاته وقنواته المفتوحة مع كثيرين في الخليج يحذّرهم من سلوك ترامب وأهوائه، ويدعوهم إلى التشدّد في وجهه: " أنتم أوفياء.
فعلتم كلّ شيء، وتدفعون المال، وقمتم بخطوات استثنائية ونحن إلى جانبكم، ولكنّ الرئيس ترامب يتصرّف بطريقة غير مطمئنة.
نحن نعرف ماذا يجري داخل كواليس إدارته وحجم الانتقاد له ومحاولات دفعه إلى مزيد من التشدّد ضدّ إيران".
ولمح بطريقة ما إلى ما تتوجّس منه الإدارة الأميركية لناحية كشف" خشية ورصد لعمليات تجسّس إسرائيلية على أميركا ومراكز القرار فيها"، إضافة إلى الحملات المركّزة التي يقوم بها موتورون متهوّرون نافذون في المؤسّسات الأميركية ضدّ التوجّه نحو اتفاق مع إيران، وهذا أساس حركة وأهداف نتنياهو.
إذا لم تحصل أعجوبة ما، فإنّ نتنياهو قادر على الاستمرار في لعبته، والظروف تلائمه، مع كلّ ما يواجههمنطق روبيو لا يطمئن، وهو يستند فيه إلى تجربة فنزويلا، وتهديد كوبا، ومشروع الاستيلاء على غرينلاند.
ترامب نفسه يقول: " لو كان بإمكاني السيطرة على نفط إيران لفعلت.
ولكنّ الشعب الإيراني لا يريد".
المشكلة في العقل الأميركي عموماً، ومع هذا الفريق خصوصاً: " إقدام متهوّر"، " حسابات خاطئة"، " حروب على أراضي الآخرين"، " تدمير مؤسّساتهم وما لديهم"، واعتقاد ملازم بأنّ هذا يخدم مصلحتهم ويحقّق انتصارات تستمرّ في الداخل، ثمّ فضائح تُنشر في الداخل حول الخسائر والكلفة والدمار والخراب والقتل، وهذا ما نشهد فصوله الآن والملفّ طويل.
نحن في بداية طريق، وإلى أن تُكشف الحقائق يكون ما جرى قد جرى.
مصلحة العرب جميعاً، خصوصاً دول جوار إيران، أن يستفيدوا من اللحظة المؤاتية التي يرون فيها هذا الموقف الأميركي، وهذه الإهانات الأميركية المتتالية للقادة والرموز، والطمع والجشع بثرواتهم، بالتزامن مع كلام رؤساء دول في العالم، ووزراء خارجية، ومسؤولين، ومعلّقين، ومفكّرين، ومؤثّرين داخل أميركا وخارجها، يذكّرون بما جرى في العراق وفي أفغانستان، ويؤكّدون أنّ أميركا لم تحمِ وجودها في الخليج، وبالتأكيد لم تحمِ أصحاب الأرض التي تستضيف هذا الوجود.
وهذا شعور شبه عام في الأوساط الشعبية الخليجية، رغم الكره الكبير لإيران والقلق من دورها وتسلّطها وهيمنتها على مراكز قرار مهمّة في دول المنطقة، وتمدّدها وتهديدها الدائم لهم.
لكنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية لم تهزم إيران، وثمّة تأكيدات أميركية" أنّها استعادت جزءاً كبيراً من قدرتها الصاروخية"، ولم يتم التوصّل إلى تفاهمات حول النووي واليورانيوم والصواريخ الباليستية، وتتحكّم الآن بمضيق هرمز، وتهدّد بالتعامل المشابه مع باب المندب، وتكسب الوقت وتحاول فرض شروطها، وهذا يتلاقى مع إصرار نتنياهو على ضرورة استكمال الحرب.
والعرب في متاهة، ضائعون بين محاولات التذاكي والتشاطر وكسب الوقت واستحضار أدوار دبلوماسية إعلامية، لكنّهم لا يملكون شيئاً فعلياً يفرضون من خلاله حضورهم.
يتابعون ما يجري في باكستان وغيرها، ويقعون من وقت لآخر تحت صدمات ترامب: طارت غزّة.
طار" مجلس سلامه".
" الضفّة الغربية في الطريق".
" طار منذ زمن طويل مشروع الدولة الفلسطينية".
وهم مهدّدون بثرواتهم ومستقبلهم.
بعضهم حسم أمره، فذهب إلى إسرائيل علناً وعقد صفقات سلاح بمليارات الدولارات معها، وبعض آخر يجري اتصالاته في السر، ونتنياهو يفضحهم.
وهذا كلّه يضعفهم وينعكس سلباً على حضورهم ودورهم وتأثيرهم في المسارات الحاسمة للحرب الدائرة ونهاياتها.
أمام هذا الواقع، خرج ترامب بموقفَين، سوريالي، من جهة، وإغرائي سياسي، إنّ صحّ التعبير، من جهة ثانية.
السوريالي عندما قال: " نحرز تقدّماً عظيماً مع إيران.
لن تمتلك سلاحاً نووياً وهي ليست بموقع يمكّنها من امتلاكه".
هي تقول إنّ ثمّة فتوى من المرشد الأعلى برفض امتلاك هذا السلاح.
إذاً، بمنطقها، هذا تأكيد لموقفها وليس نجاحاً لترامب، الذي يضيف: " كثير من ناقلات النفط تعبر مضيق هرمز، وهو سبب عدم ارتفاع أسعار النفط إلى 300 دولار للبرميل"، لكنّه لا يقول كيف تعبر.
العالم كلّه يقول: " المفتاح في إيران"، وهذا مكسب لها في الوقت نفسه، وأمام الإصرار على تحرير أصول أموالها المجمَّدة بعد توقيع الاتفاق، سُرّبت معلومة تفيد بأنّ ثمّة في الإدارة الأميركية من يضغط لتحويل هذه الأموال إلى التعويض عن الأضرار التي لحقت بدول الخليج نتيجة استهدافها من قبل الإيرانيين، ومن ضمنها بالتأكيد القواعد الأميركية.
يوماً يصدر" أمراً" ويمارس الترهيب للالتحاق بالاتفاقات الإبراهيمية، ويوماً يحاول تقديم مثل هذه الأفكار التي لا قيمة لها على طاولة المفاوضات وفي رسم مسار الحرب، بل يعزّز لعبة نتنياهو وأهدافه.
هنا خرج المفكّر الأميركي ستيفن والت ليتناول هذه النقطة فقال: " على ترامب أن يتمكّن من تحديد ما المصالح الأميركية، وأن يفهم بالطبع أنّ مصالحنا ومصالح إسرائيل ليست متطابقة.
صحيح أنّ هناك تداخلاً في بعض المجالات، لكن في مجالات أخرى عديدة ليست كذلك.
استمرار هذه الحرب ليس لصالح أميركا وأوروبا وآسيا وحلفائنا.
عندما يرتكب المرء خطأ كبيراً نعلم غالباً أنه في النهاية سيكون عليه دفع الثمن.
هل الولايات المتحدة مستعدّة لقبول أنّها أخطأت؟ في النهاية نرضى بنتيجة تكون أسوأ ممّا كان عليه الوضع قبل بدء الحرب.
وهذا يستلزم أن نقول للإسرائيليين: لن ندعم حربكم ضدّ إيران بعد الآن.
نحن الآن ننهي الحرب حتى لو أثار ذلك استياءهم".
نتنياهو مهووس بحُلم تجاوز بن غوريون الأوّل المؤسِّس، ليكون هو بن غوريون الثاني المكرِّس لـ" دولة إسرائيل الكُبرى".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك