في عام 1916 الذي يُعتبر من أكثر أعوام مساره الإبداعي خصوبةً ولكن ليس بالتحديد في المجال الذي سيكون ميدان عمله طوال الثلث الأول من القرن العشرين، وعُرف فيه كواحد من أكثر كتّاب المسرح حداثةً وجرأةً في أوروبا، أي ليس في الكتابة المسرحية التي سيكون العقد التالي ميدان تحركه فيها مع عدد من أهم مسرحياته.
في عام 1916 اهتم الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو، أكثر ما اهتم بالقصص القصيرة والروايات المتوسطة، لكن الغريب في الأمر أن معظم ما كتبه في هذا المجال ذلك العام سيتحول لديه في المرحلة التالية إلى مسرحيات جلّها على أي حال من نوع مسرحيات الفصل الواحد.
وكأن الرجل كان لا يزال يبحث عن ممرات له إلى عالم المسرح.
وهي طبعاً تلك التي ستنطلق بخاصة مع" 6 شخصيات تبحث عن مؤلف" مع مجيء سنوات العشرين.
أما في العام المفصلي الذي نتحدث عنه فإنه أصدر بصورة خاصة مجموعة قصصية بعنوان" حكايات من أجل عام" هي التي تحولت معظم قصصها إلى مسرحيات وبعضها إلى رواية أو روايتين.
ومع ذلك لئن قُيِّض للمعنيين أن يتوقفوا عند عمل محدد من بين ما في هذه المجموعة، سيتوقفون بخاصة عند القصة القصيرة، " الجرة"، التي ما إن حل العام التالي، 1917 حتى وجدت مؤلفها يحولها إلى مسرحية فصل واحد لا تزال تُعتبر حتى اليوم من أشهر أعماله وأبسطها، ولكن كذلك أكثرها شعبية، هي التي حملت العنوان نفسه.
وبالكاد على أي حال يمكن لأحد أن يصدق أنها من كتابة ذلك الكاتب الذي من بعدها مباشرةً سيبدو الأكثر تجريبية في تاريخ المسرح الأوروبي.
في" الجرة"، سواء كانت قصة أم مسرحية، لدينا عمل ريفي حقيقي وريفي إيطالي بالتحديد، وريفي ساخر ومرح فوق ذلك كله.
وهو ما نعرف أن بيرانديللو لن يكونه بعد ذلك ابداً.
وكذلك فإننا لن نعثر لديه لاحقاً على أي شخصيات تشبه، ولو من بعيد، الشخصية المحورية في هذه المسرحية - ونتحدث هنا عن القصة كما عن المسرحية في مزج مقصود على أي حال.
فالشخصية الأساسية هنا، هي شخصية الدون لولو زيرافا وهو يقدم لنا منذ البداية مالك أرض شديد البخل والتعنت، يحدث له ذات لحظة أن يشتري جرة ضخمة كي يحفظ فيها ما ينتجه من زيت الزيتون.
لكن الجرة تنكسر فجأة.
وإذ لا يريد لولو شراء جرة أخرى يستدعي الصناعي الماهر" زي ديما ليكيزي" المشهور بقدرته على إصلاح الأواني الفخارية بواسطة مادة لاصقة من اختراعه.
والذي يحدث هنا هو أن ديما يجلس داخل فجوة الجرة كي يصلحها بشكل موثوق لكنه إذ ينتهي من مهمته يكتشف أنه بات حبيس الجرة ولم يعد في مقدوره أن يخرج منها.
وهكذا يتحول الموقف إلى نزاع قانوني عبثي إلى أقصى حدود العبثية.
ففتحة الجرة أضيق من أن تسمح للصناعي بالخروج منها وهو في الحقيقة غير قادر على الخروج إلا إذا كُسرت الجرة، فإن كُسرت خسر دون لولو جرته الثمينة، وإن بقيت هذه سليمة سيظل ليكازي سجيناً في داخلها إلى الأبد.
فما العمل؟ ذلك هو السؤال الذي ليس في مقدور أحد الآن أن يجيب عنه.
لكن كل طرف يعتقد أنه على حق وأنه هو الذي يمكنه أن يفرض الحل الذي يرتئيه.
وفي نهاية الأمر بالطبع، وبعد أن يمر الجميع بسلسلة من المواقف المثيرة للسخرية، تنكسر الجرة من جديد ويخرج ليكازي وقد هيمن عليه الشعور بالانتصار، بينما يترك الجميع الدون لولو غاضباً مكتئباً لا يدرك أنه لم يكن في حقيقة أمره سوى ضحية لجشعه وطبعه السيئ.
الحقيقة أن المسألة تتعدى هنا أبعادها الشكلية وكون الموقف نفسه مثيراً إلى حد بديع.
وذلك لأن المعضلة تتعدى قضية الجرة والموقف من أخلاقية مالكها وحق الآخر في الخروج من سجن لا يمكنه أن يبقى فيه بأي حال من الأحوال.
المسألة هنا تتعلق بأخلاقيات اجتماعية وبجوهر ما قد نعثر عليه ضمن إطار قوانين السلوك الاجتماعي.
فما يقترحه علينا بيرانديللو هنا، بحسب دارسي عمله، هو أن" دون لولو" يرى الجرة أثمن من الإنسان، ومن هنا تصبح المسرحية نوعاً" من النقد لأولئك الذي يقدسون الممتلكات إلى حد يفقدون معه أي إحساس إنساني".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)صحيح أننا من الناحية القانونية، يمكننا أن نقر بأن كل طرف يمتلك حجة قانونية تبدو صحيحة ومنطقية بصورة مطلقة، ومع ذلك من البديهي القول إن أياً من تلك الحجج لا يمكنه أن يوصل إلى حل.
من هنا يكشف لنا بيرانديللو كيف يمكن للمنطق والقانون، اللذين ينبغي أن يكونا قمة العقلانية العملية، أن يتحولا إلى متاهة وطريق مسدود عندما يسيطر العناد على البشر.
ومن البديهي القول هنا إن هذا كله يمكن أن يقدم لنا صورة عن واحدة من الأفكار المركزية لدى بيرانديللو.
فالجرة" تمثل الشكل الجامد أو القالب الذي يريد الإنسان الحفاظ عليه، بينما يمثل الصناعي زي ديما ليكازي الحياة الحرة التي لا تقبل أن تُحبس داخل الأشكال أو القوالب الصلبة".
صحيح أن الجرة ستُصلح وتستعيد شكلها المتكامل ولكن على حساب احتجازها إنساناً في داخلها.
وهنا من الناحية الشكلية على الأقل، ينتصر الشكل ولو ظاهرياً على جوهر الحياة ومضمونها.
ومن هنا لن يمكن حل المعضلة إلا بإعادة كسر الجرة.
وتُكسر هذه الجرة بالفعل لأن ليس ثمة حل آخر.
يقيناً أن الحل الذي تنتهي به المعضلة ليس سوى الحل الوحيد الممكن والمنطقي.
فإن الحرفي الفقير هو الذي ينتصر على المالك الثري، لكن هذا ليس انتصاراً للقوة ولا للمنطق الجدلي، بل هو انتصار للفطرة والحس الساخر والمرونة على التسلط والعناد.
صحيح أن كل هذه العناصر تجعل من مسرحية" الجرة" في ظاهرها، على الأقل" مهزلة ريفية مضحكة" بحسب دارسي عمل بيرانديللو، لكنها، ودائماً من منطلق استنتاجاتهم أيضاً، تكشف عن عمق رؤية هذا الكاتب الكبير للوجود الإنساني ومعضلاته: إن الناس هم الذي يسجنون أنفسهم داخل أفكارهم وممتلكاتهم وقوانينها كما سُجن ليكازي داخل الجرة، بمعنى أن الحل قد لا يأتي أحياناً عبر إصلاح الوعاء، بل عبر كسره مرة أخرى.
ومن هنا تُعد هذه المسرحية نموذجاً على ما يسميه لويجي بيرانديللو (1867 - 1936) نفسه" الفكاهة الممزوجة بالمرارة" حيث نضحك من الموقف، كما يقول، لكننا ندرك في الوقت نفسه أنه موقف يكشف حقيقة عميقة عن البشر.
ولا ريب أن تلك الحقيقة هي التي لم يتوقف بيرانديللو عن البحث عنها عبر عشرات النصوص التي أنتجها طوال حياة متقلبة، من دون أن يزعم أبداً أنه امتلكها حقاً حتى وإن كنا نراه، في معظم أعماله، كما في" الجرة" شديد القرب منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك