يأتي احتفال دول العالم في 12 يونيو 2026م بـ”اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال” تحت شعار: “بطاقة حمراء لعمل الأطفال: لعب منصف للأطفال، وعمل لائق للبالغين”، ليشكل صرخة حقوقية عالمية مدوية من أجل حماية الأطفال من بيئات العمل الخطرة، ومعالجة العوامل التي تدفعهم إلى العمل، مثل الفقر وضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، ووضع حدٍّ لكل أشكال استغلالهم.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمثل المناسبة تأكيداً على حقوق الأطفال الأساسية في التعليم والصحة واللعب والحماية، ودعوة للحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع الدولي إلى مضاعفة الجهود من أجل بناء عالم لا يُحرم فيه أي طفل من طفولته، ولا يُجبر على العمل قبل بلوغ السن القانونية.
وتأتي هذه التظاهرة العالمية في وقت يواجه فيه أطفال السودان ما تصفه منظمات دولية بأنه إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يعاني الملايين منهم من النزوح القسري والجوع الحاد والحرمان من الرعاية الصحية والتعليم بسبب الحرب وما خلفته من أوضاع إنسانية بالغة التعقيد.
وقد كشفت منظمة اليونيسف في أحدث تقاريرها أن نحو 25% من الأطفال السودانيين في الفئة العمرية بين (5 و17 عاماً) يضطرون إلى الانخراط في سوق العمل، فيما تتجاوز النسبة 49% في بعض مناطق النزاع، خاصة في شرق وجنوب دارفور.
ويعمل هؤلاء الأطفال في ظروف قاسية وغير آمنة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية القانونية، نتيجة الفقر المدقع والنزوح والانهيار الاقتصادي وفقدان مصادر دخل الأسر.
وليس هذا فحسب، إذ تشير تقارير أممية إلى أن نحو خمسة ملايين طفل سوداني أُجبروا على مغادرة منازلهم وأصبحوا نازحين داخل البلاد، فيما حُرم أكثر من ثمانية ملايين طفل من التعليم، الأمر الذي يهدد بضياع جيل كامل ويقوض فرص تعافي البلاد ومستقبلها.
وفي جانب آخر من المأساة، يعيش الملايين من السودانيين أوضاعاً غذائية حرجة.
فقد أشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن نحو 17.
3 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة ومنقذة للحياة، مع توقعات بأن يعاني 4.
2 مليون طفل من سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري.
إن هذه المناسبة العالمية تذكّرنا بأن المكان الطبيعي للطفل هو المدرسة وساحات اللعب، لا مواقع العمل الشاقة والخطرة، ولا مخيمات النزوح واللجوء.
كما تذكّرنا بأن حماية الأطفال تبدأ بحماية أسرهم وتوفير سبل العيش الكريم للبالغين.
وفي السودان، تتفاقم ظاهرة عمالة الأطفال بسبب الحرب والنزوح وانقطاع التعليم وتدهور الأوضاع المعيشية، الأمر الذي يدفع آلاف الأطفال إلى سوق العمل في ظروف قاسية، ويهدد بحرمان جيل كامل من حقه في التعليم والنمو السليم والحياة الكريمة.
ولمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من تبني حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة عبر تأهيل المدارس وتوفير الوجبات المدرسية والمواد التعليمية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للأسر الفقيرة والنازحة حتى لا تضطر إلى الاعتماد على دخل أطفالها.
كما يتعين تطبيق القوانين الرادعة لعمالة الأطفال، خاصة في الأعمال الخطرة والاستغلالية، وحمايتهم في مناطق النزاع والنزوح من التجنيد والاستغلال بكافة أشكاله.
كذلك ينبغي تمكين المجتمعات المحلية ولجان الأحياء والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني من الإسهام في رصد ومعالجة الظاهرة، إلى جانب إطلاق حملات توعية وطنية تؤكد أن تعليم الطفل استثمار في مستقبل الوطن، وأن العمل المبكر يحرم السودان من طاقات بشرية سيكون في أمسّ الحاجة إليها خلال مرحلة إعادة الإعمار والبناء.
وفي هذا اليوم العالمي، يجب أن نتذكر أن حماية أطفال السودان ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع بأسره.
فالأوطان التي تسمح لأطفالها بحمل أدوات العمل بدلاً من حمل الكتب، إنما تدفع ثمناً باهظاً من مستقبلها واستقرارها وتنميتها.
لذلك، ينبغي أن نرفع جميعاً “البطاقة الحمراء” في وجه كل أشكال استغلال الأطفال، وأن نجعل من حقهم في التعليم والحماية والأمل قضية وطنية عاجلة لا تحتمل التأجيل أو التسويف، لأن حماية أطفال السودان اليوم هي حماية لمستقبل السودان غداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك